الانتفاضة
حوار أجرته الجريدة مع أنس نومير، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المنظمات المغربية التربوية
في لحظة دقيقة تتقاطع فيها الهواجس التربوية مع المؤشرات المقلقة لتحوّلات السياسات العمومية اتجاه الطفولة والشباب، تطفو موجة جديدة من الغضب داخل أوساط المجتمع المدني التربوي ، بعد الحديث عن تفويت تدبير مراكز الاستقبال إلى مؤسسات استثمارية، هذه المراكز كانت تقدم خدمات للشباب بأثمنة رمزية تتضمن خدمات المبيت والتغذية. وبالمجان، في فترة لاحقة، للجمعيات والمنظمات الشريكة للقطاع الوصي في إطار الحصيص المخصص لكل جمعية، وهنا تبرز أسئلة جوهرية :
هل نحن أمام إصلاح فعلي ، أم أمام خوصصة ناعمة ومقنعة لفضاءات عمومية ؟ هل الهدف هو تحسين الخدمات ، أم بداية لتحويلها إلى سوق مغلقة ؟ وما مصير الجمعيات والمنظمات التي بنت تاريخ هذه المراكز كمؤسسات اجتماعية ؟
في هذا الحوار، يضع أنس نومير، عضو المكتب التنفيذي لاتحاد المنظمات المغربية التربوية ، النقط على الحروف، ويكشف خلفيات هذا التحول ، محذرًا من طمس هوية مراكز الاستقبال ومراكز التخييم، مطالبًا بنقاش عمومي صريح يُنصت لصوت الفاعلين الحقيقيين .
– ما الذي يدفعكم اليوم إلى دق ناقوس الخطر بشأن تدبير مراكز الاستقبال والتخييم ؟
أنس نومير: ببساطة ، لأن الأمر لا يتعلق فقط بإجراء إداري أو تقني بل يلامس جوهر السياسات العمومية الموجهة للشباب فعندما نناقش نية تفويت تدبير 54 مركزاً من مراكز الاستقبال تابعة لقطاع الشباب لفائدة جهات استثمارية من طرف الوزارة المعنية فإننا نناقش بشكل غير مباشر سؤال الدولة الاجتماعية ودور الفاعل المدني ومفهوم الشراكة الحقيقية. نحن كمنظمات وجمعيات تربوية لسنا ضد التغيير المعقلن الرصين و المدروس الذي يجعل مصلحة الأجيال وتكوينها و تأطيرها هي العليا لكننا نرفض تغييبنا كمنظمات وجمعيات تربوية من مناقشة القرار وبلورته، لا سيما وأن منظماتنا كانت من اول من اشتغل في الميدان وراكمت تجربة وخبرة ميدانية تعود لعقود .
– هناك من يعتبر أن هذا التدبير الجديد قد يحسّن الخدمات ويُحسِّن ظروف الاستقبال؟
أنس نومير: لنكن صريحين ، منطق الخوصصة المقنعة الذي يُسوَّق له الآن في الخفاء لا يمكن أن يكون مدخلاً للإصلاح بتاتاً خصوصاً حين يتم خارج منطق التشارك والتخطيط الجماعي. حيث أن التجارب السابقة بيّنت أن الجودة لا ترتبط بالضرورة بتغيير من يدبّر بل بكيفية التدبير وبمدى احترام فلسفة الفضاءات التربوية هل يُعقل أن تُسلَّم مفاتيح التأطير التربوي لشركات لا تؤمن بثقافة التطوع ولا بفلسفة التنشئة الاجتماعية بينما يستثنى من صنع روح هذه الفضاءات – وأقصد هنا الجمعيات والمنظمات التربوية – من عايش هذه الفضاءات وساهم في بنائها بل وخلق الروح فيها على امتداد عقود ، مراكز الاستقبال و مراكز التخييم ليست فنادق ، ولا مقاولات ، إنها فضاءات تنشئة ، وحواضن انتماء. من حدَّد وسطَّر ما هي عليه اليوم هم الفاعلون الجمعويون ، والمؤطرون ، والرواد ، وليس اي “اطراف اخرى” همها وشغلها الشاغل التدبير بمنطق ربحي، لذلك نحن ضد تحويل هذه المراكز إلى مشاريع ربحية مغلفة بلغة الشراكة .
– ما هي مطالبكم كفاعلين تربويين بشكل ملموس ؟
أنس نومير: نحن لا نطلب امتيازات ولا مواقع ، بل نطالب بالحد الأدنى من الإنصاف أولاً، وبالحفاظ على مكتسبات الطفولة المغربية والشباب المغربي عبر فتح نقاش وحوار شفاف، يعترف بأن هذه المراكز ليست مجرد بنايات ، بل إرث وطني حي . ثانياً، إشراك الجمعيات والمنظمات التربوية و احترام أدوارها ، وعدم اتخاذ قرارات مصيرية في غيابها في كل ما يخص مستقبل هذه الفضاءات . وثالثاً، إرساء شراكة حقيقية ، قانونية ومؤسساتية ، تعترف بدور المجتمع المدني في التأطير وتنشيط مؤسسات الطفولة والشباب .
إن ما نريده هو سياسة تربوية تشاركية ، لا سياسة تسويقية فنحن كمنظمات و جمعيات تربوية لا نطلب امتيازات بقدر ما نطالب بحقنا في أن نكون جزءاً من الحل لا كما تريد لنا الوزارة أن نصير عليه مجرد متفرجين على سياستها الاستثمارية في فضاءات عمومية تهم الطفولة و الشباب
– وماذا عن الموقف الرسمي؟ السيد الوزير تحدث في البرلمان وقال إنه لا تفويت…
أنس نومير: ما صرّح به السيد الوزير داخل قبة البرلمان، يتناقض جوهرياً مع ما يجري على أرض الواقع فالوزارة وفي خطوة يحفها التكتم تنوي تفويت تدبير 54 مركز استقبال لفائدة مؤسسات استثمارية دون أي استشارة أو إشراك للفاعلين التربويين الذين راكموا عقوداً من العمل الميداني داخل هذه الفضاءات وهو ما دفع اتحاد المنظمات المغربية التربوية لاصدار بلاغات تنديدية متتالية حذّرت من خطورة هذا التوجه واعتبرته انحرافاً عن فلسفة المرفق العمومي ومسًّا بهوية الفضاءات التربوية وضرباً لمبدأ التشاركية المنصوص عليه في الدستور .
الأخطر من ذلك أن السيد الوزير صرّح في نفس الجلسة بنيّته استغلال مراكز التخييم لتوفير إمكانيات جديدة بمعنى موارد مالية جديدة تغطي مصاريف ونفقات الصيانة وهو ما يشكل خرقاً صريحاً لمبدأ عدم التخصيص المنصوص عليه في القانون التنظيمي لقانون المالية وهو ما يطرح تساؤلات أخلاقية ومالية تتعلق بربط حق الأطفال في عطلة تربوية بالقدرة على الدفع ، وبدور الدولة الاجتماعي ، وحول الميزانيات المخصصة للقطاع و حصيلة الاستثمار العمومي في البنيات التخييمية على مدى عشرين سنة ، ودون أية إشارة منه لمراكز الاستقبال باعتبارها موضوع بلاغات اتحاد المنظمات التربوية المغربية مما يجعلنا نتساءل عن أسباب هذا الخلط وعدم التفريق بين مراكز الاستقبال ومراكز التخييم، فالأمر يتعلق ببنيات مختلفة قانوناً ووظيفة
كما لا يجب ان يفوتني هنا الحديث أيضا على مراكز التخييم مهدية ، هرهورة ، سيدي رحال ، طماريس ، تغازوت… والتي تم تفويت بعضها و يُجهل مصير البعض الآخر ، و التخوف كل التخوف أن تتآكل بصمت أو تُفرغ تدريجياً من محتواها التربوي في محاولة لتجفيف منابع العمل التطوعي وتحويل فضاءات المواطنة والانتماء إلى مرافق مقاولاتية مغلقة تُسوِّق الفرح و التأطير ، لا تفتح بابها إلا لمن يملك القدرة على الأداء
وباختصار ، إن ما يجري اليوم ليس إصلاحاً البتة بل هو محاولة لإعادة هندسة القطاع بعيداً عن أية مقاربة ترتكز على البعد الاجتماعي ، إنه إقصاء مقصود للشركاء الحقيقيين وتراجع خطير عن المكتسبات التربوية ، وابتعاد واضح عن مرتكزات النموذج التنموي الجديد الذي يضع الإنسان (الشباب) في صلب الأولويات
– هل تخشون فعلاً على هوية هذه الفضاءات ؟
أنس نومير: بالتأكيد ، هذه المراكز ليست أَسِرَّة وقاعات هي ذاكرة جماعية ، ومشاتل التربية على المواطنة ، هي فضاءات لصناعة المواطن وغرس القيم ، إذا خضعت لمنطق الاستثمار أي المنطق المحاسباتي الربحي الجاف ، فإنها تأكيدا ستفقد روحها ،
و مهمتها التربوية ، لا نريد مراكز تخييم مغلقة أمام أبناء الطبقات الشعبية، كما لا نريد تحويل حلم الأطفال داخل العطلة وخارجها إلى منتوج يباع ويشترى. وبالمناسبة هل فعلا يتم إغلاق مراكز التخييم خارج العطل؟ وحتى إن أغلق بعضها، من قرر إغلاقها؟ ولماذا لا نفكر في استغلالها طيلة السنة لفائدة أبناء وبنات الأسر الكادحة من شعبنا أبناء الأسر الفقيرة أبناء الأسر المنحدرين من العالم القروي؟ وبفلسفة الخدمة العمومية المجانية
المعركة التي نخوضها اليوم، ليست دفاعاً عن بنايات، بل دفاع عن فلسفة، عن قيم ، عن مشروع وطني للتربية غير النظامية
كلمة أخيرة
أنس نومير: ما نحتاجه ليس مقاولات تُشرف على الطفولة ، بل رؤية مجتمعية تعيد الاعتبار للفعل التربوي حيث أن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان لا بتفويت إرثه الرمزي ، بل بإشراكه في صياغة مستقبله.
ولنقلها بوضوح من لا يرى في مراكز الاستقبال ومراكز التخييم إلا بنايات قابلة للاستثمار، فهو يتعامل معها بمنطق تجاري ربحي ، هذه المراكز ليست للربح… لأنها ذاكرة وطن ، وليست بنداً في دفتر تحملات ، ودفاعنا عنها هو دفاع عن ماض جميل ، عن مستقبل أطفال هذا الوطن .
التعليقات مغلقة.