الانتفاضة // شاكر ولد الحومة
تعيش مدينة مركش حاضرة المرابطين وعاصمة المغرب في وقت من الأوقات على واقع النهب الكبير والاستيلاء المرير لأراضي الدولة واحتلال الملك العمومي وبدون وجه حق في واضحة النهار وعلى عينيك ابن عدي للأسف الشديد.
فلا يخلو مكان من مراكش ولا حي من أحيائها إلا ونبت فيها زمرة من لصوص المال العام وحراميي المملكة الشريفة، من يتسولي على أجود أراضيها وأكل خيراتها والتضييق على (البوفرية والمزاليط) مستغلا في ذلك نفوذه أو إسمه أو إسم عائلته أو مكانته الاجتماعية أو منصيه أو قربه من جهات ما أو له سطوة المال وبالتالي “يظهر له الربيع ولا تظهر له الحافة”.
لقد ابتليت مدينة مراكش من زمان بهؤلاء اللصوص و (الحرامية) و (الشفارة والقمارة) الذين أكلوا مدينة مراكش لحما ورموها عظما واستغلوا خيراتها واستولوا على أجود أراضيها و بقعها وبنوا الفيلات والعمارات والمسابح ومحلات الوقود واماكن الألعاب، ونصبوا على الناس في آلاف الهكتارات، بل منهم من استحوذ على الأراضي السلالية وأراضي الجموع، وأراضي الدولة، وأراضي الحبوس و (الفيرمات) وحعلوها بأسمائهم أو بأسماء زوجاتهم وأقربائهم وذلك في غفلة عن القانون وبعيدا عن ضوضاء المجتمع وأعين الصحافة لينطبق عليهم المثل القائل:”فلا عين تشكي ولا قلب يوجع”.
هم (مساخيط) المجتمع الذين راكموا الأموال الطائلة وعملوا لهم مشاريع تتوزع بين المقاهي و (السناكات) والمطاعم والعلب الليلية والفنادق الجنسية والحانات والخمارات وعلب الرقص ومقاهي الشيشا ومقاهي القمار و (التيرسي) وغيرها من الكوارث التي تشكل خطرا محدقا على المجتمع المراكشي برمته.
لقد تورط في مافيا العقار بمراكش عدد من المؤسسات وعدد من المسؤولين وعدد من المنتخبين والمرشحين والسياسيين وؤساء الجماعات الذين سواء مر وقتهم وانتهت ولايتهم أو الذين لا زالوا متمسكين بالكراسي هنا وهناك عاضون على (البزولة) حتى تنشف لينتقلوا إلى بزولة أخرى.
كما تزدان أغلب محاكم مراكش الابتدائية والاستئنافية بملفات تزكم الأنوف وتظهر بشاعة ما تم اقترافه في حق مراكش والمراكشيين من قبل من أوكل إليهم حماية المال العام وخدمة الصالح العام لكنهم خدموا مصالهحم الخاصة وتركوا مراكش خاوية على عروشها، لا بنية تحتية ولا تطور ولا نمو ولا تغيير ولا إصلاح ولا هم يحزنون.
لقد استغل هؤلاء الأباطرة أموال الدولة والمال العام من أجل مصالحهم الشخصية والعمل على الترقي الاجتماعي ومراكمة الأموال سواء في الأبناك المغربية أو الأبناك الخارجية، بل منهم من يقيم في أفخم المنازل ويركب أغلى السيارات ويزور أغلى الأماكن داخليا وخارجيا ويجلس في أغلى المنتجعات بعيدا عن (البوفري) والفقير والمعوز والمحتاج.
لم تكن سلطة الرقابة قوية ومشتغلة 24/24 وإلا فأغلب هؤلاء (الشفارة والقمارة) لن يستطيعوا الاقتراب من فلس واحد من أموال دافعي الضرائب، ولكن غريزة الفساد والإفساد وسلك كل الطرق التضليلية والتحايل على القانون، واستعمال الواسطة و (البسيطة) جعلت من هؤلاء القوم وجها لوجه أمام الخيرات الحسان التي حرم منها المغاربة الفقراء واستمتعوا بها هم الأغنياء – غنى فاحش – وكرسوا لتلك المعضلة المسماة بالتفاوت الطبقي.
لقد ساهم جشع هؤلاء (النصابة) والمحتالين الذين خربوا المغرب تخريبا وريبوه ترييبا وجعلوه في مقدمة الدول التي ارتفع فيها مؤشر الفساد والإفساد وبالتالي أخلف المغرب موعده مع التنمية والتطور والرقي والازدهار ومقارعة الدول الكبار.
لقد ساهموا في جعل المغرب يرنح تحت وابل الغلاء، وارتفاع الأسعار، وارتفاع ثمن الوقود، ونضوب الفرشة المائية، واندحار التعليم، وتواري الصحة، وفشل الاقتصاد، وتداعي التنمية، وبالتالي أدخلوا المغرب في نفق لا يمكن الخروج منه إلا إذا نالته رحمة الله تبارك وتعالى.
لقد عمل هؤلاء الأبالسة على جعل مراكش خصوصا والمغرب عموما هدفا لكل نزواتهم وأفاعيلهم، وشروا كل شيء مقابل المال حتى بتنا نرى كل أشكال الفوضى والعبثية في مختلف أحياء مراكش من قبيل الاستيلاء على الملك العمومي.
حيث تجد صاحب المقهي مثلا يستغل مكانا كبيرا أمام المقهى محتلا بذلك الملك العمومي وحارما الناس من المرور بأريحية، وحينما تسأل عن صاحب المقهى مثلا تجده من أصحاب الأموال التي تترعرع ومن أثرياء مراكش ومن ركائزها الصحاح في “التانصابت والتاشفارت والتاقمارات” وأنه يمد بعض المسؤولين بالغنيمة مقابل السكوت على ذلك المنظر البشع والمقزز والذي يقطر فسادا وإفساد مع كامل الأسى والأسف.
وقس على ذلك في الدكاكين التجارية و (البازارات) والمحلات والإقامات و (الباركينات) والمساحات، حيث يدخل الجميع في إطار (دونون دونون).
بقي أن نشير إلى أن استمرار هذه الظاهرة المعيبة والمشينة في مراكش من شأنها أن تزيد من كمية الاحتقان الاجتماعي، والتمايز الطبقي، والتفاوت المجتمعي، مما يؤثر سلبا على الأجيال القادمة التي نأمل فيها خيرا لتغيير ما يمكن تغييره.
كما يفوت هذا الفساد والإفساد على مراكش فرصا كبيرة للتنمية المجالية، والتطور الاقتصادي، والنمو التعليمي، والرقي الصحي، ويفوت على المغرب عموما فرصا ثمينة للإقلاع الاقتصادي والاجتماعي والتنموي.
وفي الوفت نفسه فهذا الهدر المبين للمال العام إنما يطيل من عمر الأزمة التي يساهم فيها هؤلاء المجرمون، من حيث يدرون أو من حيث لا يدرون، مما يساهم في إعطاء صورة سيئة عن مراكش خصوصا والمغرب عموما.
التعليقات مغلقة.