الانتفاضة // علاء جلال
حين نتأمل هذه الكلمات من سورة الأحقاف، نجد أنها تحمل بين طياتها سر العبودية الحقيقية ليست العبودية تلك التي تميل لها النفس وتجد فيها لذتها، بل العبودية التي تهدف إلى شيء واحد إرضاء الله عز وجل
الآية توضح بجلاء أن القضية ليست فيما يرضي المرء أو ما تتلذذ به نفسه، أو تميل إليه جوارحه، أو يستمتع به فؤاده إنها أعمق من ذلك بكثير العبادة هي استرضاء هي السعي نحو تقديم ما يحبه الله ويرضاه، لا ما تهواه النفس، حتى لو كان ذلك العمل عبادة في الأصل.
الإنسان يعبد الله بما يرتضيه في الحال الذي يكون عليه، والمقام الذي أقيم فيه فإذا كان الوقت وقت بذل وتضحية بالغالي والنفيس، كان الأحب والأرضى لله أن يبذل من ماله ونفسه لإرضائه وإذا كان الوقت وقت بر أو صلة وإحسان، لم يقدم على ذلك تنفلًا أو انقطاعًا للتنسك وإذا كان الوقت وقت أداء أمانة وعمل، لم يدِر ظهره لذلك ولم يضيع أمانته بمستحبات أو مفضولات وإذا كانت أيام فضل وأوقات ذكر ولحظات مضاعفة عُني بتحصيل الأجر وتبييض الصحائف.
وهكذا حال العابد، يستغرق فيما يحلو للعلماء تسميته بعبادة الوقت، مؤثرًا مرضاة ومحبة مولاه إن التلذذ بالطاعة والاستمتاع بالعبادة والبكاء من خشية الله ومشاعر السمو الروحي هي بلا شك من فتوحات العبودية وبركات القنوت، لكنها ليست الغاية الأعظم. المقصد الأسمى للعبادة والعمل الصالح هو إرضاء الله.
إرضاء الله هو الحقيقة العظمى، سواء حضر الاستمتاع أم لم يحضر، وسواء شعر العبد بحلاوة العبادة أم لا العبرة في رضاه هو، المهم أن يرضى، حتى لو لم تجد قلبك حاضرًا، وحتى لو لم تجد لذة أو متعة في العمل الرجل الذي كان يحمل أمه ويطوف بها ربما لم يكن مستمتعًا بهذا الجهد المضني، لكنه فعله لأنه الأرضى لله بينما لم يكن الأولى فعل جريج العابد الذي قدم صلاة نافلة على إجابة نداء أمه
وإذا نظرت في حال أويس القرني رحمه الله، وجدت نموذجًا بديعًا لتفضيل رضا الله على ميل النفس الرجل أسلم وعاصر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يستطيع اللحاق به والتنعّم بصحبته، لكن المعيار لديه كان رضا الله فاختار أن يبقى مع أمه يخدمها، لأن ذلك هو الأحب لله هل ضره ذلك؟
أبدًا لقد زكّاه النبي صلى الله عليه وسلم، ولقبه بخير التابعين، بل أمر الفاروق عمر بن الخطاب أن يطلب منه الدعاء.
هذا هو فضل الاسترضاء، ذلك الذي ناله أويس حين اختار رضا الله وآثر مراده على مراد نفسه إنه درس عظيم، يبيّن أن العبودية ليست مجرد شعائر نقوم بها، بل هي سعي دؤوب لإرضاء الله حيث أراد، وكيف أراد.
اللهم اجعلنا ممن يعملون صالحًا ترضاه، ولا تجعل أهواءنا حائلًا بيننا وبين رضاك.
التعليقات مغلقة.