العنف القائم على النوع: قهر متبادل يتجاوز الحدود

تأملات رمضانية: في كل يوم حكاية بقلم محمد السعيد مازغ

الانتفاضة

لطالما عرفنا العنف ضد المرأة، وشهدنا القهر الذي تعرضت له عبر العصور، ولا يزال يمارس عليها في بعض المجتمعات حتى اليوم. فقد كانت المرأة لا تخرج من بيت والديها إلا إلى بيت زوجها أو إلى القبر، وكانت تُحرم من حقها في الميراث، إلى جانب تعرضها للعنف اللفظي والجسدي والجنسي، وغيرها من الممارسات التي تنتهك كرامتها وتتنافى مع القيم الدينية والأخلاقية. وقد جاء إعلان الأمم المتحدة بشأن القضاء على العنف ضد المرأة ليؤكد أن “العنف ضد المرأة هو مظهر من مظاهر علاقات القوة غير المتكافئة تاريخيًا بين الرجال والنساء”.

لكن ما نادرًا ما يُذكر، رغم وضوحه كظاهرة اجتماعية، هو العنف الموجه ضد الرجال. فقد أصبحت بعض النساء يمارسن القهر والتعذيب ضد الرجل، وصولًا إلى الإهانة والترهيب والتهديد بالإيذاء. ولم يعد العنف ضد الرجل محصورًا في العلاقات الأسرية أو الحميمة فقط، بل امتد ليصبح ظاهرة متداولة إعلاميًا، كما حدث في واقعة صفع مسؤولة إدارية بمدينة تمارة، أو في حوادث أكثر تطرفًا مثل تقطيع جثة رجل ورميها في أنحاء مختلفة من المدينة.

لم تعد السجون حكرًا على الرجال، بل باتت النساء يزاحمنهم فيها، ويقضين عقوبات حبسية نتيجة جرائم عنيفة. ومع ذلك، لا يزال الرجال الذين يتعرضون للعنف يواجهون وصمة اجتماعية تجعلهم مترددين في الإبلاغ عن تعرضهم للإيذاء، خوفًا من الانتقاص من رجولتهم أو التعرض للإهانة. كما أن العنف الذي يمارَس ضد الرجال من قِبل شركائهم الحميمين غالبًا ما يكون أقل ملاحظة من العنف ضد النساء، مما يضيف عقبة أخرى أمام ضحاياه للإفصاح عن معاناتهم.
في نهاية المطاف، العنف، بغض النظر عن الجهة التي تمارسه أو الضحية التي يقع عليها، يظل آفة اجتماعية تهدد التوازن والاحترام المتبادل بين الجنسين. إن العدل لا يتحقق بانتصار طرف على آخر، بل بإرساء ثقافة تقوم على المساواة والاحترام ونبذ جميع أشكال القهر والاضطهاد. والمجتمعات التي تتجاهل مظاهر العنف، سواء ضد المرأة أو الرجل، إنما تكرس مزيدًا من الظلم والانحراف عن القيم الإنسانية السامية. فالحل ليس في تبادل الأدوار في القهر، بل في القضاء على العنف من جذوره، وإحلال لغة الحوار والتفاهم بدلًا من القوة والإقصاء.

التعليقات مغلقة.