الانتفاضة
بقلم: محمد السعيد مازغ
في صباح خريفي مشبع برائحة البحر والخذلان، وقف سعيد عند مدخل السوق يتأمل رفوف السمك بعينين مثقلتين بالحيرة. لم يكن المشهد غريبًا عنه، لكنه اليوم بدا مختلفًا… أكثر قسوة وأشد مرارة . بالأمس القريب، كان عبد الإله، بائع السردين، يملأ السوق بصوته الجهوري: “خمسة دراهم فقط! هيا، لا تفوّتوا الفرصة!” كان الناس يتدافعون، ضحكاتهم تملأ المكان، وأملهم في غدٍ أفضل يلمع في أعينهم. الفقراء، الموظفون المتقاعدون، أصحاب الدخل المحدود، جميعهم شعروا للحظة أن الحياة قد تصالحت معهم، وأن ما تبقى من الأيام القادمة تحمل الرخاء ووفرة الانتاج..
لكن كما تهب الرياح الخريفية، سريعة وباردة، تغيّر كل شيء. اليوم، السردين لم يعد في متناول الجميع، وقفز سعره إلى 30 درهمًا للكيلو، أما البيض، الذي كان بالكاد يشكّل عبئًا على الأسر، فصار سعره يُحتسب بالحسابات الدقيقة، وكأن بيض الدجاج أصبح ذهبًا! ولن اتحدث عن العدس والفول والفاصوليا معشوقة الفقراء ، ولا الطماطم والجلبان والفواكه الموسمية.. وحدها اللحوم تحمل بارقة أمل، بانخفاض طفيف نتيجة القرار الملكي الذي أدرك أن شراء الأضاحي لم يعد متاحًا للجميع، بعدما أصبح الناس يقفون في الأسواق لا لشراء ما يحتاجونه، بل فقط لمراقبة الأسعار وهي ترتفع بلا هوادة. تجوّل سعيد في السوق، يتأمل العيون المنكسرة، التجار المتذمرين، والزبائن الذين باتوا يمرّون أمام السلع دون أن يمدّوا أيديهم. الأسعار لا ترحم، والجيوب أنهكها الانتظار الطويل لوعود لم تتحقق. وقف عند بائع الخضار، سأل عن الطماطم، فتنهّد الرجل وقال: “لا تسأل، اليوم بسعر، وغدًا بسعر آخر!” ابتسم سعيد بسخرية وغمغم لنفسه: “هل نحن من يتنفس الخريف، أم أن الخريف هو من يعيش فينا؟”
التعليقات مغلقة.