الانتفاضة // محمد المتوكل
ككل سنة وعند مقدم شهر رمضان الفضيل يستعد جزء من المغاربة لأداء الصلوات الخمس وسنة التراويح في المساجد القريبة ومنهم من يشد الرحال إلى مساجد أخرى بعيدة بحثا عن الصوت الجميل والهدوء والخشوع والسكينة وقد يكونوا لا يصلون طيلة السنة ويخصون شهر رمضان الفضيل بالصلاة، وطبعا فالله تعالى هو من يهدي من يحب الى صراطه المستقيم.
وعليه يشد المصلون الرحال إلى المساجد طيلة هذا الشهر الفضيل الذي حوله جزء من المغاربة إلى (لهطة و تجوعيف) وهيجان للبحث عن الأكل والشرب حيث تفاجأ المواطنون بدوار العزوزية الذي يفتقد لأبسط مرافق الحياة السعيدة بغياب الدجاج ونفاذ البيض و نقص بعض الخضروات و غياب الحليب وغير ذلك من مستلزمات الحياة اليومية – يشد الرحال إلى بيوت الله رجال ونساء وأطفال.
وهي سنة حميدة ومتميزة لكن صلاة المرأة في بيتها أحسن لها وفي بيت نومها أجمل لها بكثير عوض أن تقصد المسجد بالعباية والعطر والماكياج وتخالط الرجال، وتصطحب معها مجموعة من (البعالك) يحولون المسجد إلى روض للأطفال، وتصلي ركعتين فقط بعد فريضة العشاء وتخرج لباب المسجد لتجلس مع جارتها (تقرقب الناب) وتحكي لها عن تفاصيل حياتها وكيف صامت وكيف أعدت الفطور وهيأت (المسن والبغير والبطبوط والحريرة) وغيرها من مكونات رمضان الفضيل وكيف أن رجلها لا يأكل كذا وكذا وكيف أنها تأخرت عن السحور وأن العباية اشترتها بكذا وكذا، وأن أطفالها يدرسون في كذا وكذا حيث يتحول المسجد إلى ساحة تشبه ساحة جامع الفنا ولا ينقصها إلا إحضار التعابين لتكتمل الفرجة.
بينما بعض الأطفل الذين يأتون مع أمهاتهم أو مع أبائهم فأغلبهم لا يصلون بل يظلون (ينقزون) ذات اليمين وذات الشمال ويجرن هنا وهناك ويصيحون هنا وهناك ويشاغبون هنا وهناك محدثين جلبة لا يستطيع المصلي أن يركز مع الإمام ولا يسمع أصلا ما يقوله الإمام جراء الأصوات (البعلوكية) الصادرة من هنا ومن هناك.
أما بعض الرجال فيتعمدون التأخر عن صلاة العشاء حتى يمتلا المسجد فيضطرون للصلاة خارج المسجد وكل واحد يصلي في قنت ويضع امامه قنينة ماء بينما البعلوك يكسر المكان باصواته المزعجة.
إن اصطحاب الأطفال إلى المساجد أمر محمود لكن في دوار العزوزية أعتقد يبقى الأمر مكروها بل يكاد يصل إلى درجة الحرمة في ظل الفوضى التي يخلقونها وكانهم في ساحة ألعاب.
بينما الباعة المتسمرون أمام المسجد فبمجرد ما ينتهي الإمام قائلا: (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته) حتى يبدؤون هم الآخرون في الصياح، ولا تكاد تخرج من المسجد حتى تتكون لك صورة شاملة عن أثمنة البصل والطماطم والبيض والمسواك العطر والمكملات الغذائية والمقويات الجنسية.
إنه جزء من الصورة القاتمة والتي تجثم على صدر دوار العزوزية والتي تسيء الى الدوار شكلا ومضمونا صوتا وصورة.
دون أن ننسى أولئك الذين يعرضون سلعهم في جوار المسجد وخاصة بعد انتهاء التراويح فأكاد أجزم أنهم لم يصلوا ولم يذهبوا للمسجد وانما جاؤوا من الدار للبيع والشراء مباشرة.
أما الغلاء في هذا الدوار البئيس فإنه أمر مخزي في الحقيقة ويضرب في العمق القدرة الشرائية للطبقة الفقيرة.
إن المساجد جعلت للصلاة والذكر وقبام الليل وقراءة القرآن الكريم وليس لتأتي المرأة بكامل زينتها وكأنها ذاهبة إلى عرس لتقص تفاصيل حياتها على جارتها على عتبة باب المسجد، وكأنها جالسة في الحمام، وأن يأتي الرجل لينقر الصلاة خارج أسوار المسجد وكل يصلي في (قنت)، ويأتي البعالك ليكسروا رؤوس المصلين ب (الغوات والزكا) للأسف الشديد.
بقي أن نشير إلى أن الذين يركنون سياراتهم بالقرب من المسجد لأداء الصلاة أكثر من مشجعي الكوكب المراكشي، والصورة يمكن رؤيتها في رمضان الفضيل فقط بينما باقي الشهور لا تكاد تجد سيارة واحدة، وأن المسجد لا يأتيه الا العجزة، بينما أصحاب السيارات فإما مشغلون بمتاع الدنيا، أو قطعوا الصلة مع الصلاة ربما.
أما عند اقتراب ساعة الإفطار فتجد المسلمين في صراع مع الزمان والمكان، ويجرون ويهرولون ويصيحون و (يحركون السطوب) ويسيرون في الاتجاه المعاكس ويطلقون منبهات (خرشاشاتهم) المزعجة، كل ذلك من أجل الوصول قبيل أذان الصلاة، وكأنهم إذا فاتهم الفطور فإنهم شيء كثير، علما أن منهم من قد تفوتهم صلوات مفروضة ولا يأبهون بها أصلوها أم هم ليسوا في عداد المصلين.
قال تعالى: إ”ن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا”.
وقال جل جلاله: “خذو زينتكم عند كل مسجد”.
وبعض المسلمين في دوار العزوزية حولوا المسجد إلى فضاء للحكايات والمكالمات و فوضى (البعالك والبعلوكات) للأسف الشديد.
نسأل الله السلامة والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.
التعليقات مغلقة.