الانتفاضة // عادل آيت بوعزة
كم يعجبني هذا الشاب المسمى عبد الإله .
و كم اكرهه !
انها معركة لعبتها في ذهني و خسرتها ! جمعت الكم الهائل و القاتل من المعطيات و المعلومات حتى تهت بين تفاصيلها .
كم كان من الصعب علي ان اخرج من هذا الخندق المميت ، و اقول كلمة ليست بكلمته و لا بكلمتهم ، كلمة سواء تمثلني و تمثل قناعاتي البعيدة عن كل الاهواء و التنقاضات السياسوية الرخيصة .
هذا الشاب المسمى عبد الإله يمثلني و يمثل التفاصيل المعقدة للشباب المغربي الذي اعرفه بكل تناقضاته و صعوباته .
شاب تملأه العواطف و يغمره الحنان و يحمل ” الكبدة على البلاد ” ، كل ما رايته عنه أراه في نفسي ، حامل لقيم تمغربيت و مغامر و جريئ و لا يخاف ، متهور و متفهم ، صلب و لين .
و قد يكون منتفضاً ، و يائساً و مهزوماً في داخله ، لكنه مؤمن و حالم .
كل تلك التناقضات خلقت لدينا حالة فريدة من نوعها لم يتعرف على مثلها الجيل الحالي ، فقد اصبح نجماً من طينة زياش و حكيمي ، يونس العيناوي و هشام الكروج .
نعم بطل بصيغة المضارع :” بأسلوبه الخاص ، و خطابه السلس و ابتسامته الحالمة ” ، تحدى الجميع ، تحدى الأفراد و القانون و القيم .. تحدى المنظومة كاملةً و ذكرنا بالافلام البطولية لشاهروخان مع المزيد من التشويق و الاثارة .
من تقشير السردين الى التيكتوك و من ذلك الى الميناء و كاميرات السلطة الرابعة ، و امام الجميع بكى و جمع التضامن كما اللايكات ، استدعاه والي الجهة و رد له اعتباره و زاد عن ذلك ، طرق باب السوق و فتح له دون وقت عمله ، اخرج الشاحنة و لم يوقع الالتزام ، استمر في التصوير و استمر في البيع و فاجاً الجميع باسعار خيالية وصلت الى نصف درهم .
طرح الجهابدة و الراسخون في العلم اسئلتهم و هناك من ضرب الاخماس في الاسداس ، و لم يفلح احد في فهم شيئ ، تجار و صياد شاب شعرهم و لم يفهموا ” كيف كايدير ليها ” ، و امام هتافات و تصفيقات الجماهير ، خرج للإحتفال في لحظة غامرة بمشاعر الحب و التعاطف و التضامن .
لقد انتصر عبد الإله و انهزم من عداه !
الكل ضد المضاربة و الكل يريد اثمنة رائعة في شتى المجالات ، و هو هو عبد الإله قد انتصر ، فكيف لا ننتصر في قطاعات أخرى ! نعم يمكننا خلق المفاجأة و المعجزة !
تحول الفايسبوك من ميناء الى سوق خرفان كبير ، حيث يسأل الجميع عن اثمان الاكباش و البقر و المعز ، و قد اختار البعض لغة التشفي في الشناقة و السماسرة و حتى الكسابة.
و حتى ان تنمرت على بعضهم ، ممن تنمروا علينا في العيد السابق.
و حتى انا المكتوي باسعار السنة الماضية ، دخلت في لعب ” الدراري ” و نشرت فيديو اتمسخر على موقف عزيز اخنوش .
نعم انها فوضى لا اول فيها و لا اخر ، الكل يساهم في هذا النقاش العبثي ” قدر براده ” ، و الكل خلف عبد الإله البطل المغوار الذي يعاني من المضايقات ، و يسانده الوالي شوراق ، في معركته الشرسة ضد المضاربين و الشناقة ، و حتى بايتاس الوزير في حكومة اخنوش صرح بأن الحكومة ماشية على نفس النهج .
نعم نهج ” عبد الإله ” ، الذي اصبح مدرسة تقتدي منها الحكومة في سن سياساتها العمومية كما تصرح بذلك .
لكنني لست على هذا النهج ، و موقفي مختلف تماماً! لست من راكبي الأمواج و قد ان الاوان اليوم لاقول كلمتي و ليسب من يشاء و يشتم من يشاء !
ان ما فعله الشاب عبد الإله كان ناجحاً بقياس فتحه النقاش على مصراعيه حول القدرة الشرائية الضعيفة للأغلبية الساحقة للشعب المغربي ، و كذا الغلاء المعيشي المتسارع و الإنهاك الكبير للمواطنين جراء التضخم . ان ما فعله فضح الاوضاع الصعبة التي تحدث عنها جلالة الملك في رسالته للشعب بخصوص الدعوة لعدم نحر الاضاحي في العيد القادم ، فضح ان الاسعار تفوق قدرة المواطن ، كما فضح ان هامش الربح يجب ان يتسم بالقناعة .
و هي رسالة ليست للمواطنين المقهورين فقط ، بل للمضاربين و الشناقة الكبار الذين يتحكمون في المحروقات و اللحوم و الخضر و الأعلاف ، و منهم من خرج الآن ليدافع عن هذا الشاب المراكشي ( بلا حشمة بلا حياء ) ، و منهم من عرض دعمه النفسي و منهم من ارسل له شاحنة سمك و منهم من قال ان الحكومة تمشي على نفس النهج .
لكن و مع كل ذلك ، لست انا الذي يقبل هذه الميكافيلية الرخيصة ، حيث ” الغاية تبرر الوسيلة ” ، و لست انا الذي سيقبل نظرية :” تأثير الفراشة ” التي يتحدثون عنها ..!
لن اقبل بضحايا الحروب في هذا الموضوع ، و لن اقبل بموت التجار السمك الصغار ، لكي يعيش قيصر ! و هذا ما يحدث اليوم و لا احد يتحدث عن ذلك ! الكل مدنب ب” المضاربة ” حتى تتبث براءته.
الكل شناق .
الكل مضرب .
الكل شفار .
فقط لأن عبد الإله اخفى الحقيقة عن الجميع !
حقيقة ثمن ” الشراء ” بينما اشهر ثمن البيع !
اتفق مع هذا الشاب في كل شيئ .. بداية من حقه في البطولة و حتى الكأس ، من حقه ان يلاقي السيد الوالي و يربح من التيكتوك و يدخل السوق و يخرجه وقتما شاء !
لكن ما لا اتفق معه هو إخفاء ثمن الشراء الحقيقي ، بينما يذهب أخاه كل يوم من أجل شراء صناديق اجود انواع السردين من سوق المحاميد بمراكش بمبالغ تتراوح بين 230 و 300 درهم ! بينما يبيعها بثمن لا يتجاوز 70 درهم .
و ان كانت له ارباح اخرى ، فهي ليست لغيره .
و ان كان يملك سياسة تسويقية رائعة فغيره لا يملك هاتفاً .
و ان كان يملك القدرة على التواصل مع الناس ، فغيره لا يعرف سوى تقشير الاسماك .
نعم نريد سلع باثمنة معقولة ، نريد أسماك باثمنة معقولة و تناسب المواطن .
نريد القناعة في هامش الربح ، لكن نريد لكل تاجر ربحا ميسرا يساهم فيه بإعالة أسرته .
فللمغاربة اسماء أخرى : هناك عبد الإله و هناك احمد و سعيد و لحسن و محمد و توفيق و هلم جرا …!
نريد من هذه الحكومة أن تراقب الاسعار و تقوم بتسقيفها لكي تكون ” مناسبة و معقولة ” ! لكن ليس مميثة !
فثمن 5 دراهم في السردين ، مثير للشكوك و التساؤلات ، لكن نصف درهم فقد اصبح ثمناً مثيراً للضحك.
التعليقات مغلقة.