الانتفاضة // مصطفى الفن
لا يحتاج المرء إلى قدر عال من التكوين ومن الخبرة ومن الدراية بخبايا العلاقات الدولية وتعقيداتها ليغامر بالقول إن العالم، مع ترامب الثاني، دخل أو سيدخل ربما إلى مرحلة “جنون متقدم”..
جريدة “الباييس” الإسبانية سبق لها أن توقعت هذا “الجنون الترامبي” حتى قبل تنصيب صاحبه وقالت عن سنة 2025 “إنها سنة كل الأخطار”:
”El año de todos los peligros”
ولا بأس أن أضيف لأقول إنها “سنة الإهانات” أيضا..
وهي إهانات لن يسلم منها ربما إلا ذو حظ عظيم..
وفعلا فقد شعر الأوربيون ب”الإهانة” وبالحيرة وبالارتباك وربما ب”الضياع” أيضا..
جرى كل هذا لأن “الشريف الجديد” للبيت الأبيض لم يشرك هؤلاء الأوربيين ولو في جزئية صغيرة في قضية كبيرة تهم أخطر حرب تهدد وجودهم وأمنهم القومي على الحدود مع روسيا..
أما المسكين زيلنسكي فقد “شطب” به ترامب الأرض وصوره في هيئة رئيس دولة “أبله” بلا شعبية وفاقد للأهلية النفسية وغير كفء ليحكم بلدا مثل أوكرانيا..
بل إن ترامب حمل مسؤولية هذه الحرب وهذا الدمار الذي لحق بأوكرانيا إلى بعض “الأقوال السخيفة” التي تصدر أحيانا عن الرئيس زيلنسكي نفسه..
المهم في هذا كله هو أن العالم كله سيعاني مع ترامب الثاني وليس الحاكم في الوطن العربي والإسلامي فقط..
وربما سيعاني، مع ترامب، حلفاؤه وأصدقاؤه في المقام الأول أكثر مما سيعانيه خصومه وأعداؤه..
وربما حتى “إسررررررراااااائييييل” أو الولاية الأمريكية المدللة نفسها ستعاني مع ترامب..
لماذا؟
لأن هذا “القومي” الجديد الذي ظهر في بلاد العم سام أو “ترامبو، بتعبير الزملاء في أسبوعية “الأيام”، لا يؤمن بأي شيء:
لا يؤمن لا بحلفاء ولا بأصدقاء ولا بجيران ولا بطعام ولا هم يحزنون..
ترامب، صاحب شعار أمريكا أولا أو فلوريدا قبل تل أبيب، لا يؤمن سوى بعلاقة فيها تاجر واحد عابر للحدود والباقي زبناء لا غير..
لكن لماذا تتباكي أوربا اليوم على القيم الكونية..
وتتباكي على حقوق الإنسان..
وتتباكى على القانون الدولي..
وتتباكى على النموذج الليبرالي الغربي..
وتتباكي أيضا على المبادئ المؤسسة للديمقراطية والتي سوف تتعرض، في نظرها، إلى الخطر وإلى الانهيار مع مجيء ترامب؟..
والواقع أنه لا حق للأوربيين في البكاء أو في الاحتجاج أو في الغضب أو في الاستياء من ترامب…
والسبب بسيط.. ذلك أن هؤلاء الأوربين الذين يتباكون اليوم على القيم والمبادئ الكونية هم الذين تواطؤوا، طيلة عقود من الزمن، مع “العدو” رقم واحد للإنسانية..
حصل هذا “التواطؤ” وهذا الصمت رغم أن هذا “العدو” أباد شعبا كاملا بأرضه وبرجاله وبنسائه وبشيوخه وبأطفاله وذلك بفظااااعة ووحشيييية لا مثيل لهما..
التعليقات مغلقة.