الانتفاضة // حسن المولوع
الصحافة أشبه بتلك الفتاة الجميلة ذات الغنج والدلال، يحسبها من في قلوبهم مرضٌ سهلة المنال. فكلما ابتسمت لهم بحسن نية، ظنوا في نفوسهم المريضة أنها فتحت لهم الباب ليعبثوا بها، وما إن يقترب أحدهم حتى تعطيه صفعة توقظه من غفلته… هذه هي الصحافة التي اقتحمها المتطفلون وعبثوا بها، إنها سهلة ممتنعة.
ليس كل من يمسك الميكروفون أو يظهر أمام كاميرا هاتفه يصبح صحافيا؛ فالصحافة علم أولا، ينبغي دراسته، وتجربة ثانيا، وقبل العلم والتجربة هناك شرط أساس، وهو الموهبة.
وهذه الموهبة لا تزدهر إلا بالزاد المعرفي، الذي لا يأتي إلا بالقراءة اليومية والاحتكاك بالنخبة المثقفة، فالعقل الصحافي بحاجة دائمة إلى تغذية مستمرة حتى يبدع وينتج..
إذ لا يمكنني أن أتصور صحافيا أو صحافية لا يتخذ من القراءة طقسا يوميا مثل العبادات أو شرب الماء وأكل الخبز، ولا يمكنني أن أتصور صحافيا لا يستطيع الكتابة بحجة أن الناس لم يعودوا يقرؤون…
القراءة والكتابة هما هوس كل صحافي، والصحافي، بعد مرور السنوات، يتحول إلى مؤرخ، وقبل ذلك يكون بفكره القادم من القراءة صانع قرار أو مشاركا في صنعه، وله القدرة على تشكيل الرأي العام والتأثير فيه.
و عليه أن يظل متجردا من الأهواء والانحيازات الشعبوية، فالصحافي غير مسموح له بالانخراط في خطابات الدهماء والغوغاء، لأن صفته تمنعه من ذلك.
فهو يجمع المعطيات والمعلومات، ويتأمل، ثم يحلل الوضع أو الظاهرة، ليكتب ليس من أجل أن ينال الإعجاب، بل ليؤثر في صناع القرار، ويترك بصمته في المشهد العام.
إن من يريد دخول عالم الصحافة بغرض الاغتناء لن يصبح صحافيا مبدعا، بل سيكون حينها باحثا عن المظروف الأصفر، ناسيا رسالته…
الصحافي الحقيقي هو من يترك وراءه ثروة فكرية، فهو زاهد في ملذات الحياة الدنيا. لا يبني العمارات أو الفيلات، بل يبني الأجيال ويصنع التاريخ..
لا يسعى وراء السيارات الفارهة، بل يسير على درب الحقيقة، متنقلا بين الميادين، باحثا عن المعلومة، حاملا قلمه وكاميرته، مؤمنا بأن رسالته أعظم من أي مكسب مادي…
المال ضروري في الحياة، هذا شيء أكيد، لكنه لا يكون على حساب الكرامة، ولا بثمن بيع المبادئ في سوق النخاسة ، فالصحافي عليه أن يبقى شامخا، صامدا أمام الإغراءات، ويموت واقفا بعزة وكبرياء، وقليلون هم من يفهمون هذا الكلام…
أطوي الصفحة بعد وضع نقطة النهاية لموضوع شعبوي وتافه وجدت نفسي مقحما فيه، وأترك مسؤوليته لمن يتحملون مسؤولياتهم مع الضمير والتاريخ ، وأمضي في الاستمرار بمشروعي الفكري الذي هو جزء من حياتي ، الذي هو همّي وشغلي الشاغل، تاركا خلفي كل ما من شأنه إلهائي عن أهدافي الأساسية في هذه الحياة ، فالتاريخ وحده كفيل بفرز المعادن الأصيلة عن الزائفة…

التعليقات مغلقة.