الانتفاضة // خالد الصمدي
كلما حطت بي الرحال في ربوع البادية المغربية كما في هذه العطلة الشتوية ، أحرص على مجالسة بعض الأسر القروية وأحتك بها وأستمع إلى أحاديثها ومسامراتها البسيطة حول كأي شاي “وطبسيل” زيتون ، وحول نار هادئة تطرد البرد القارس .
ليتأكد لي في كل مرة أن النقاش الدائر حول تزويج الفتاة القاصر والربط بينه وبين مسألة حرمانها من التمدرس ، هو نقاش في صالونات الرباط ، وكلام في المواقع بعيدا عن الواقع .
الواقع والإحصائيات والدراسات الميدانية تقول إن معظم الفتيات في العالم القروي إن التحقن بالمدرسة فإنهن تغادرنها في أحسن الأحوال عند نهاية السلك الابتدائي لتدخلن مباشرة إلى عالم التعب ، عالم الرعي والسقي وحمالات الحطب ،
بما يمكن أن تتعرض له جراء ذلك في الخلاء من آفات وتعب ونصب .
أو تغادر القرية لإعانة أسرتها على تجاوز صعوبات الحياة من خلال العمل في المدن بالبيوت أو الاستغلال في المعامل والمصانع في كل مكان بعيد، مقابل أجر زهيد .
الاحصائيات تقول إن العديد من الجماعات في البادية لا تتوفر على إعداديات ، ولم يصل دورها بعد في برنامج تعميم المدارس الجماعاتية .
هذا بالإضافة إلى ارتفاع حالات الرسوب في السنة الأولى من الإعدادي لمن كتب لهن الالتحاق به جراء ارتفاع التكاليف وصعوبة التنقل، ومن المتوقع أن يزداد الأمر استفحالا وسوءا بعد توقيف برامج الدعم المشروط بالتمدرس” تيسير ومليون محفظة ” وتعويضهما بالدعم الاجتماعي الضعيف والمتقلب ، وثالثة الكوارث الإصرار على تعميم حاجز الفرنسية لغة مدرسة ولغة تدريس المواد العلمية في الإعدادي في المدن كما في البوادي ،مما رفع بشكل غير مسبوق من نسبة الهدر المدرسي .
وهكذا تظلم هذه الفتاة القاصر مرتين : الأولى بحرمانها من حقها في التمدرس للظروف التي ذكرنا .
والأخرى بحرمانها من حقها في الزواج وتكوين أسرة إن قدر لها ذلك رغم رضاها ورضى والديها ، وذلك عن طريق الإصرار على تسقيف السن عوض الاكتفاء بالسلطة التقديرية للقضاء، المبنية على الخبرة الاجتماعية والصحية والتربوية التي تأخذ بعين الاعتبار الواقع والظروف والسياق .
هناك إذن علاقة وطيدة بين زواج الفتاة القاصر ، والسياسات العمومية في العالم القروي ، ، ينبغي حسمها في الواقع عبر برامج تربوية وصحية واجتماعية واقتصادية مندمجة ،قبل الحديث عن التعديلات القانونية في المدونة .
وأي مقاربة لهذا الملف لا تأخذ بعين الاعتبار كل هذه الأبعاد فإنها لا تعدو أن تكون مزايدات إيديولوجية، ودموع تماسيح ليس إلا .
ومن أراد أن يرى ذلك رأي العين فليزر هوامش المدن الكبرى ومعظم المدن الصغرى كما المناطق ذات الخصاص في عمق البادية . ليرى أحوال القاصر، التي يتحدث عنها في صالوناته فيشرع لها دون أن يعرف تفاصيل حياتها في هذا الواقع الحائر .
التعليقات مغلقة.