الانتفاضة/ صابر الرباعي
تُعتبر مدينة مراكش، بفضل موروثها التاريخي وثراء ثقافتها، قبلة للسياح والمستثمرين على حد سواء، إلا أن هذه المدينة النابضة بالحياة تعاني اليوم من بيروقراطية خانقة، تهدد مستقبلها الاقتصادي بشكل عام والسياحي بشكل خاص، وتعرقل المشاريع الاستثمارية، فبينما تسعى مراكش جاهدة لترسيخ مكانتها كوجهة عالمية للاستثمار، فإن الإجراءات والمساطير الإدارية المعقدة والمستحيلة في بعض الأحيان وتأخير في اتخاذ القرارات يحولان دون تحقيق هذا الطموح المنشود
فالمستثمرون الذين يغامرون برؤوس أموالهم في مراكش عموما والمنطقة السياحية لأكفاي خصوصا ، يتوقعون بيئة أعمال سهلة ومحفزة، إلا أن الواقع يختلف تماما، فبدلاً من تسهيل الإجراءات، تواجه الشركات تأخيرات طويلة في الحصول على التراخيص والموافقات اللازمة، مما يؤدي إلى ارتفاع التكاليف وتأخر إطلاق المشاريع، والدخول في متاهة من الإجراءات والقوانين التي يتعين على المستثمرين التنقل فيها، مما يزيد من فرص الخطأ والتأخير، بالإضافة إلى مجموعة من التناقضات والوجوه المزدوجة للادارات العمومية و تلك المسؤولة او المكلفة بهذا القطاع الاستثماري والسياحي بشكل خاص بما يشبه ” السكيزوفرينيا” ،فتلك الإدارة تشرق والأخرى تغرب، والمستثمر بينهما حائر، حيث غياب التنسيق بين مختلف الإدارات المعنية، مما يؤدي إلى تضارب في المعلومات وتأخير في اتخاذ القرارات، وعدم وجود معلومات واضحة حول الإجراءات المتبعة والمستندات المطلوبة، يزيد من حالة عدم اليقين لدى المستثمرين.
نهيك عن الفساد المستشري، والذي يمثل عائقاً كبيراً أمام الاستثمار، حيث يتم استغلال بعض الإجراءات الإدارية لتحقيق مكاسب شخصية، مما يؤدي في آخر المطاف إلى تداعيات خطيرة على الاقتصاد المحلي، وهروب او تراجع المستثمرون من تكرار هذه المشاكل، مما يجعلهم يترددون في الاستثمار في مراكش او في منطقة تابعة لها، ودون ان ننسى ان تأخر هذه المشاريع او المزمع تنفيذها، تؤدي لضياع سوق كبير للعمل، مما يزيد من نسبة البطالة، وتدهور صورة المدينة كقبلة للسياحة العالمية و مزار المشاهير ونجوم العالم، حيث تنتشر سمعة سلبية عن البيئة الاستثمارية والسياحية
ولا يفوتنا في هذا الموضوع الحديث عن دور وزارة الداخلية ومؤسساتها اوإداراتها المنتشرة في البلاد، المحوري والاساسي في هذه المعادلة الاستثمارية، في تسهيل الإجراءات وتبسيط والمساطير الإدارية والقانونية وزرع الروح فيها لكي تتناسب ومخرجات الميثاق الوطني للاستثمار، وتنزيلا للتوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده، لكن والحال كما يرى، تتعدد الشكاوى التي تشير إلى أن بعض المسؤولين يعمدون إلى عرقلة سير العمل لأسباب شخصية أو بيروقراطية، وهذا الأمر يزيد من تعقيد المشكلة ويضعف ثقة المستثمرين، فمثلا هناك مايزيد عن 40 ملفا إستشاريا لايزال عالقا في مكتب والي الجهة ، تنتظر توقيعا لا أكثر، منها ماعمر لسنوات في أروقة الولاية، مايعتبر تناقضا بين الوعود والتطبيق..
وختاما، باعتبار مراكش مدينة ذات إمكانات هائلة، ولكنها تحتاج دائما إلى مواطنين حقيقيين يخافون عليها، ويعملون على توفير بيئة استثمارية جاذبة لتطوير اقتصادها وتوفير فرص عمل للشباب. واستمرار الوضع على ما هو عليه سيعرضها لخطر داهم يهدد مستقبلها وازدهارها، لكيف يمكن لها أن تتخلص من هذه البيروقراطية المتفشية؟و ما هي الإجراءات التي يجب اتخاذها لتعزيز ثقة المستثمرين في البيئة الاستثمارية؟و كيف يمكن ضمان الشفافية والمساءلة في التعامل مع هذه الملفات الاستثمارية؟
إن الإجابة على هذه الأسئلة تتطلب اولا وقبل كل شيئ وطنية حقيقية، وثانيا إرادة سياسية داعمة والتزاماً حقيقياً بتحسين مناخ الاستثمار في مراكش. فهل ستتمكن المدينة الحمراء من استعادة بريقها أم ستظل رهينة هذه البيروقراطية؟.
التعليقات مغلقة.