الانتفاضة/ محمد السعيد مازغ
تجوب الكلاب الضالة أزقة وشوارع مدينة تامنصورت بكل أريحية وحرية ، تتقدم كل جماعة كلب “أنثى ” استطاعت أن توحد أتباعها على هدف واحد ، ومسار مشترك لا حدود له .. اكتسبت الكلاب خبرة كبيرة بحكم تجولها في ربوع تامنصورت ليل نهار ، ووفرة الأكل في مزابلها المنتشرة في كل مكان، أصبح مشهد الكلاب عند الساكنة مألوفا ، وبعضهم يعرفها أكثر من معرفته بمن يمثله من المسؤولين في المجالس …بين الفينة والأخرى ، تحدث الكلاب ” قربلة “، فتناوش بعضها بعضا ، أو تهاجم طفلا أو عابر سبيل ، أو تبرز أنيابها لتخويف من يقترب منها ، كما يستهويها مطاردة القطط المشردة التي تعيش نفس المصير .. كثيرة هي المشاهد المثيرة التي لا تختلف عن تلك التي تنقلها القناة التلفزية” ناشيونال جيوغرافيك ” المختصة في عالم الحيوانات ..
ومع ذلك ، فالكلاب في مدينة تامنصورت ليست كلها مسعورة ، فمنها من تحترم نفسها، وتجوب الطرقات وكلها ثقة بالنفس، تسير في وسط الطريق، أو تأخذ لنفسها قسطا من الراحة في ركن زاويةٍ مُنْزَوِيَةٍ ، أو وسط أكبر مدارات العالم التي تنفرد بها مدينة تامنصورت ، وقد يأتي اليوم الذي تجد فيه الكلاب مُتْعتها في المكاتب وقاعات الاجتماعات والندوات ، وفي المقاهي وملاعب القرب والعمارات المبنية الغير مسكونة، والتي أضحت بدون أبواب ولا نوافد، فهي مترعة على مصراعيها، يؤمها المشردون والمنحرفون وذوي السوابق العدلية ..
تحظى الكلاب بالحصانة، فهي لا تخاف على نفسها من أن تدوسها عجلة أو يرجمها أطفال ، لأنها مقتنعة بأن عجلات مدينة تامنصورت معطوبة أصلا، ومنها شبه المعطل بفعل كثرة الحفر التي يشبه بعضها القبور المهدمة ، وبعضها الآخر شبيه بالمطفيات، ومن حسن حظ تامنصورت لم تغمرها مياه الأمطار سوى دقائق معدودة، والا اصبحت تلك الحفر بركا و سيولا مائية تتسبب في غرق الضحايا من الاطفال الأبرياء كما وقع اخيرا قرب دوار آيت علي بالشطر السادس من مدينة تامنصورت، حيث لقي طفلان شقيقان مصرعهما من مخلفات الأمطار الرعدية التي تهاطلت بغزارة على مراكش و ضواحيها. كما أصبحت المياه الراكدة مصدر تلوث وروائح كريهة لا تقل نثانة عن تلك الأزبال التي تغرق تامنصورت ولم يجد لها من يعنيهم الأمر الحل الأنسب، علما ان بنود دفتر التحملات الموقع بين الجماعة وشركة النظافة لم يحترم ولا يُعْتَدُّ به.
كلاب تامنصورت وجدت في تلك البرك مَوْرِدا لإطفاء العطش، و متنَفٌَسا للاستجمام والمُتْعة ، وهي في ذلك أفضل حال من الساكنة المحرومة من كثير من المرافق الضرورية، والتي تضطر من اجل بلوغها قطع الكيلومترات من مستشفيات ومستوصفات ومختبرات طبية ، ومكتبات ومعاهد وجامعات، وأسواق ممتازة ومعامل ومصانع ، والغريب في الأمر ، ان الحديث يدور عن الحي الصناعي ، فتخال عمالا وعاملات وهم يشدون الرحال الى المصانع والشركات الكبرى ، ولكن الواقع أن كل شيء يسير ببطء وأن البطالة هي سيدة الموقف ، وأن مجموعة من الإجراءات والتعقيدات الإدارية تُنَفٌِر اصحاب المشاريع ، وتُجْبِرُهم على تغيير الوجهة إلى مواقع أقرب إلى مدينة مراكش، وأفضلها على مستوى الاستثمار ، وتبسيط المساطر ، والتحفيز على البناء والتعمير، وأبسط الأمور الإدارية، هو حرمان العديد من المحلات التجارية من حقها في الميازين ضدا على كناش التحملات الصادر عن مؤسسةالعمران والذي ينص على خمس أمتار، في حين تفتقت عبقرية الجماعة وعدلتها إلى ثلاثة أمتار ونصف المتر ، وكأن أصحاب هذه المحلات اقتنوا أكواخا وليست محلات تجارية تحتاج إلى” الميزانين ” وللاشارة فالميازين هي عبارة عن منصة أو ما يطلق عليه ” السٌَدَّة ” وهي سقيفة تستعمل في التخزين وفي الأغراض التجارية خاصة المقاهي و المطاعم .
التعليقات مغلقة.