حزب الاتحاد الدستوري بين الامس المشرق واليوم المقلق

الانتفاضة // ابراهيم اكرام

إن المتتبع للشأن العام الوطني والسياسي في السنوات الأخيرة يلاحظ تدني مستوى الأداء الحزبي، فرغم أن الدستور الجديد نص على صلاحيات مهمة للأحزاب السياسية حسب الفصل السابع منه، وأنه من حق المواطنات والمواطنين الانخراط في الأحزاب السياسية، كما أن القانون التنظيمي 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية نص على مستجدات مهمة من أجل تحقيق الحكامة الحزبية والديمقراطية، إذ لأول مرة تم الارتقاء بالقانون المنظم للأحزاب من قانون عادي(36.04) إلى قانون تنظيمي، إلا أن هذا يظل مجرد قيمة ما لم يتم تعزيزه بالممارسة.

كما أنه لا يخفى للمتتبع، أن جهات ما في الدولة تعمل كل المحاولات من أجل إقبار السياسة وإفراغ المنتخبين والسياسيين من كل ما يمكنه ان يكون خادما للمشروع المجتمعي المغربي، وان هناك لوبيا يحاول بكل ما أوتي من قوة ان يجعل من السياسة لعبة مصالح شخصية فقط ليس الا، وتشترك في ذلك مختلف التسميات الحزبية اليمينية واليسارية والوسطية والليبرالية والاسلامية والمعارضة الا من رحم ربك وقليل ما هم.
وحزب الاتحاد الدستوري نموذج حي لذلك، هذا الحزب الذي يعتبر واحدا من أعرق واهم الاحزاب السياسية التي كان لها اشعاع كبير في الساحة السياسية المغربية والمشهد الحزبي الذي كان ولا زال وسيبقى يؤطر المواطنين ويدافع عن مصالحهم المشتركة ويبقى قريبا منهم ومن امالهم وطموحاتهم وآهاتهم بغية تحقيقها وتنزيلها على أرض الواقع.

وكان حزب الاتحاد الدستوري نموذجا للحزب القريب من المواطنين ومن اهتماماتهم اليومية، وشارك الى جانب الاحزاب الوطنية من قبيل حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب الاستقلال للوحدة والتعادلية وحزب الحركة الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية في رسم معالم الخريطة السياسية والحزبية للمملكة الشريفة.

كما ساهم حزب الاتحاد الدستوري في تأثيث المشهد الحكومي عبر المشاركة في مختلف الحكومات التي عرفها المغرب منذ نهاية الثمانينات، كما كانت له صولات وجولات في قبة البرلمان سواء من موقع الأغلبية أو من موقع المعارضة، وكان نبضا للمجتمع في مختلف القضايا التي تشغل بال الرأي العام المغربي من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه.

وكان الحزب آنذاك يسيره شخصيات حزبية وازنة ومعالم مغربية مكونة وقامات تاريخية أعطت الشيء الكثير للحزب منذ الثمانينات إلى عقد التسعينات، نذكر منهم المؤسس المعطي بوعبيد رحمه الله، والراحل عبد اللطيف السملالي، ثم ما لبث أن تم تسيير الحزب بالتناوب لمدة عام تقريبا، إضافة إلى تولي الراحل مولاي عبد السلام بركة تسيير مقاليد الحزب في فترة من الفترات، يليه بعد ذلك عبد العزيز المسيوي رحمه الله، وعبد الله الأزماني، ثم المحمدي العلوي ، فمحمد الابيض.

اما في المرحلة القادمة فيرى مناضلو الحزب عبد الله الفردوس وحسن عبيابة وزير الثقافة والشباب سابقا ربما هم الذين سيخرجون الحزب من المازق الذي يعيش فيه  والذين كانت مرحلتهم مرحلة شاهدة على فترة فاصلة في تاريخ الحزب، اما محمد ساجد والذي كانت فترته فترة فشل ذريع للحزب شكلا ومضمونا، و كذا محمد جودار، والذين اقبروا معا الحزب نهائيا ولم يعد يسمع له ركزا للاسف الشديد.

لقد قام الحزب في عهد الرعيل الاول وجيل المؤسسين بأدوار طلائعية في المشهد الحزبي والسياسي المغربي، وقارب مختلف المواضيع والنقاشات والتي تتطلب جرأة وطنية وحسا مغربيا ورؤية مستقبلية وخطة مدروسة وأفكار تقدمية ومتميزة تستطيع أن تقابل الرأي بالرأي والحجة بالحجة والدليل بالدليل، وهو ما كان يتوفر عليه الزعيم المؤسس المعطي بوعبيد إلى جانب زميله في الكفاح والنضال عبد اللطيف السملالي رحمهما الله تعالى، والثلة السياسية من المؤسسين الأوائل والذين سطع معهم نجم الحزب إلى الأعالي، وكان يضرب به المثل في القوة والديمقراطية الحقيقية والتداول السلمي للمناصب.

 

لكن يبدو أن مسار الحزب بدأ ينحرف عن القوة والصلابة والمثانة والنضال والكفاح من أجل الصالح العام، متجها نحو الانحدار والتقهقر والتراجع وذلك بسبب السياسة العرجاء التي تسير بها سفينة حزب الامين العام الحالي محمد جودار والذي عرف الحزب في عهدة انتكاسة ما بعدها انتكاسة وتراجعا خطيرا وتقهقرا فضيعا جعلت عددا من المناضلين في مختلف ربوع المملكة وخاصة جهة طنجة اصيلة وجهة الغرب وتحديدا مدينة القنيطرة بالتحرك من أجل مساءلة الامين العام الحالي عن إنجازاته وبرامجه ومشاريعه التي قام بتنزيلها على أرض الواقع بعيدا عن منطق التخندق والشوفينية والحزبية الضيقة والمصالح الشخصية والنظرة القاصرة والرؤية المنقلبة على نفسها للأسف الشديد.

لقد بدأت طنجة والقنيطرة وربما مدنا أخرى تتحرك من أجل إنقاذ سفينة حزب (الحصان) الاتحاد الدستوري من السكتة القلبية وإعادة إحيائه بعد أن اماته وأقبره محمد جودار بسبب سياسته الفاشلة، إضافة إلى أمين المال الحالي عبد اللطيف المحمدي، والذي اقبر الشبيبة الدستورية كذلك بعد ان تم تجميد انشطتها بالكل.

وللعلم، محمد جودار من مواليد 21-04-1956 بمدينة الدار البيضاء ويشتغل كأستاذ وانتخب أمينا عاما لحزب الاتحاد الدستوري في أكتوبر 2022، كما أنه يشغل نائب رئيس مجلس النواب، وكذا نائب برلماني بمجلس النواب، كما أنه يشغل منصب نائب عمدة مدينة الدار البيضاء ورئيس مقاطعة ابن مسيك ونائب رئيس الجامعة الملكية لكرة القدم، ورئيس عصبة الدار البيضاء لكرة القدم، لكن رغم كل هذه المناصب والمسؤوليات والمهام لم تشفع له ليقوم بالدور المنوط به شكلا ومضمونا.

لقد تم تجميد كل الانشطة في عهد محمد جودار وتم تجميد كل ما يتعلق بالحزب من طنجة الى الكويرة ومن الدار البيضاء الى مراكش مرورا بعدد من المدن المغربية التي يتواجد فيها حزب الاتحاد الدستوري، وتم تعليق كل البرامج والتي من شأنها أن تحقق الاشعاع الحزبي وتخدم المواطن المغربي في كل تمظهراته، لكن لا شيء من ذلك حصل للأسف الشديد، فالشيء الوحيد الذي يشتغل في حزب الاتحاد الدستوري هو امين المال عبد اللطيف المحمدي، والذي يكتفي بإصدار الشيكات وصرفها في ماذا؟؟؟ الله اعلم، المهم انه هو المشتغل الوحيد في الحزب، أما المرأة الدستورية فتم تجميد أنشطتها، وكذا الشأن بالنسبة للشبيبة الدستورية بل وكل القطاعات الموازية للحزب تم تجميدها لأسباب لا يعرفها إلا أهل الاختصاص ولعلهم محمد جودار وعبد اللطيف المحمدي ومن يدور في فلكهم.

ان الامين العام الحالي لحزب (الحصان) يكتفي بالتفرج على الحزب وهو يموت جزء بجزء، وليس هناك من محاولات لإنقاذه إلا من خلال بعض التحركات القادمة من طنجة والقنيطرة، ولعل بعض المدن المغربية ستتحرك هي الأخرى من اجل انقاذ ما يمكن انقاذه قبل فوات الاوان، والغريب في الامر ان الامين العام محمد جودار عوض ان يستفيق من اجل انقاذ الحزب من الدوامة الفارغة، يكتفي بمشاهدة المباريات الرياضية هنا وهناك، علما ان الجميع يعلم كيف جاء محمد جودار الى رآسة الحزب والقبض على امانته العامة بمخالب من حديد، مستعملا في ذلك كل أشكال الكولسة والبلطجة، كل ذلك من أجل نيل الكعكة كاملة هو ومن يدور في فلكه، والتي قضت على اخر الآمال المتبقية من هذا الحزب الذي ناضل الى جانب شرفاء المغرب من أجل الوحدة والاستقلالية و الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان.

ان محمد جودار استعمل كل الوسائل وحتى غير المشروعة منها من أجل التربع على كرسي الامانة العامة، على الرغم من عدم قبول أغلب المنخرطين والمنتمين والاعضاء العاملين بالحزب، هذا الحزب الذي كان له شأن عظيم لكنه أصبح في زمن جودار بمثابة السبع المريض والحزب الليبرالي المتخن بالجراح والعاهات والتي لا يمكنها ان تنتهي الا بالتحرك من اجل انقاذ رقبة الحزب من طغيان وديكتاتورية وظلم وجبروت محمد جودار وامينه المالي اللذان يبقيا وصمة عار على الحزب ومنخرطيه وأعضائه ومتعاطفيه.

لكن يبدو أن التحركات التي يقودها بعض أعضاء الحزب بطنجة والقنيطرة وربما بعض المدن المغربية الأخرى ستعطي أكلها قريبا وسيتم التخلص من هذا الشبح الذي دحرج الحزب الى أسفل السافلين بسياسته التي لا تقوم الا على المصالح الخاصة والطمع في الكرسي وربما في حقيبة وزارية محتملة.

وربما قد يكون المؤتمر الاستثنائي القادم فرصة للأعضاء والمنخرطين والمنتسبين لتخليص الحزب من رقبة محمد جودار وعبد اللطيف المحمدي وكل من يريد ان يذهب بهذا الحزب الليبرالي العتيد الى الجحيم دون رحمة ولا شفقة للأسف الشديد، وقد تكون نهاية جودار وحواريوه قريبة، وقد يستفيق المنتسبون الى الحزب ليطردوا هذا الصنم الى غير رجعة.

يبدو ان نهاية محمد جودار قريبة لا محالة وتتجه الانظار الحزبية من داخل حزب الاتحاد الدستوري نحو ازاحته، وتعويضه بالمناضل عبد الله الفردوس،او حسن حبيابة،  علما ان هؤلاء تدرجوا في مختلف اروقة الحزب الاول ككاتب عام للشبيبة الدستورية  والثاني كنائب له واعضاء في المكتب السياسي منذ تأسيس الحزب، ويتجه الدستوريون الى اختيارهم ووضع اسمائهم ضمن لائحة المرغوبين فيهم نظرا لتجربتهم الواسعة في الحزب والكاريزما التي يتمتعون بها وحبهم وتضحيتهم من اجل انجاح مشاريع الحزب اضافة الى مواقفهم الثابتة من كل ما يجري ويدور داخل الساحة السياسية المغربية، فضلا عن تكوينهم السياسي المتميز ورؤيتهم الثاقبة وخطتهم المحكمة واستراتيجيتهم التي تعمل على اعطاء كل ذي حق حقه، وجمع المناضلين الدستوريين شبيبة وامرأة وكل القطاعات الموازية على امر جامع وكلمة واحدة وهدف واحد ورؤية واحدة وخطة واحدة واستراتيجية واحدة.

كما لا ننسى ان عبد الله الفردوس يتمتع بشخصية توحد كل الآراء ويتسع صدره لكل المخالفين دون ان ننسى شبكة علاقاته الواسعة مع مختلف مكونات المجتمع المغربي احزابا سياسية ومنتخبين وفاعلين واعلام وحقوقيين ومجتمع مدني.

وإذا ما قدر الله تعالى وتم انتخاب عبد الله الفردوس فسيعمل الحزب بالنظر الى قوة الرجل ومكانته على تطوير آليات اشتغاله ووسائل عمله والتي كانت قاب قوسين أو أدنى في زمن محمد جودار كلها جامدة ومجمدة للأسف الشديد.

لقد كان لحزب المعطي بوعبيد وعبد اللطيف السملالي ومولاي عبد السلام بركة وعبد العزيز المسيوي وعبد الله الازماني ومحمد لمحمدي ومحمد الابيض وحسن عبيابة وغيرهم اشعاعا قويا آنذاك وكانوا من ألمع نجوم السياسة في تلك الحقبة، وقدموا مجهودات مشرفة في المجال السياسي، وناضلوا من أجل التمكين للنبل السياسي، حتى جاء محمد جودار وعبد اللطيف المحمدي وامثالهما، ففقدت السياسة بريقها واندحر الحزب إلى المراتب الدنيا وأفل نجمه ولم يعد امام المناضلين إلا أن يشمروا على سواعد الجد من أجل إنقاذ حزب الاتحاد الدستوري من شرنقة الاستفراد بالقرارات والاستحواذ على مفاصل الحزب وممارسة كل اشكال الديكتاتورية المقيتة وما ذلك على أبناء طنجة والقنيطرة وغيرها من مدن المملكة الشريفة بعزيز.

وما ينطبق على محمد جودار ينطبق على امين المال الحزب عبد اللطيف المحمدي والذي جاء إلى مالية الحزب بدون سند قانوني، وأن مناضلوا الحزب لا يعرفونه حقيقة المعرفة، كما لا يعرف له دور هل هو أمين مال؟ او رياضي؟ او موظف في حزب الاتحاد الدستوري؟، ام عامل في جريدة الحزب ويتقاضى راتبه من مالية الحزب؟ او مسؤول على الشبيبة؟، علما أن هذه القطاعات ظلت لسنوات في عداد الثلاجة والارجاء والجمود الى ان يقضي الله امرا كان مفعولا.

هذه هي الحقيقة اذن وتلكم هي آخر ما يجري في حزب (الحصان) وتلكم هي الصورة القاتمة المرسومة على حزب الاتحاد الدستوري، ذلكم الحزب الذي كان له اشعاع كبير فأصبح بين عشية وضحاها حزبا خاوي الوفاض لا يلوي على شيء بسبب ما اقترفه محمد جودار وعبد اللطيف المحمدي في حق هذا الحزب العتيد والذي أصبح بفعل فاعل حزبا مشلولا ومجمدا الى اجل غير مسمى.
وللتذكير، فالمغرب بعد حصوله على الاستقلال تبنى نظاما ملكيا قائما على التعددية الحزبية، وهذا المنطق فرضته الظروف التاريخية التي عاشها المغرب، فلا يمكننا تصور مغرب قائم على الحزب الواحد، نظرا لكون الاستعمار تمت محاربته من طرف مؤسستين، المؤسسة الملكية بقيادة جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه وولي عهده آنذاك جلالة المغفور له الملك الحسن الثاني قدس الله روحه، و”الحركة الوطنية”، وبالتالي رأت المؤسسة الملكية أنه لا يمكن بناء مجتمع ديمقراطي إلا في ظل التعددية الحزبية.

والمغرب بمجرد حصوله على الاستقلال برهن عن نيته في إقامة التعددية الحزبية من خلال صدور ظهير الحريات العامة سنة 1958، وتم تعزيز ذلك بصدور أول دستور سنة 1962، أكد أن نظام الحزب الواحد غير مشروع.

وسنعود لكم بتفاصيل اخرى بخصوص هذا الموضوع ان شاء الله تعالى صوتا وصورة ترقبونا…

التعليقات مغلقة.