الانتفاضة/ بقلم : محمد السعيد مازغ
علق المواطنون وفي مقدمتهم ساكنة جهة مراكش أسفي كثير الأمل على المستشفى الجامعي محمد السادس، بحكم وجود كلية الطب بمراكش والتي تضم خيرة أساتذة الطب ،فضلا عن التداريب الميدانية التي يستفيد منها طلبة الكلية والمرضى على السواء ، المستشفى الجامعي محمد السادس الذي يحمل اسم عاهل البلاد ، كان يمكن أن يكون متنفسا حقيقيا ، وقبلة علاجية تتميز بجودة الخدمات الصحية ، وحسن التنظيم ، وصيانة الكرامة الإنسانية ، الا أن تلك الآمال آخذة في التبخر يوما بعد يوم ، وسنة بعد سنة ، فالوضع الذي آل إليه المستشفى لا يبشر بخير ، ولا يشرف مدينة مراكش ذات التاريخ العريق في الطب من عهد المرابطين والموحدين الذين شيدوا المستشفيات ودور العلاج، وأتاحوا الأجواء المناسبة لمزاولة هذه المهنة الشريفة التي ذكرها المؤرخ الفرنسي “مييي” في كتابه “الموحدون” سنة 1923 واصفا مستشفى مارستان مراكش بكونه يفوق مستشفيات أوروبا في زمانه إذ يقول: لا يخلف وراءه مصحات أوربا المسيحية فحسب، بل تخجل منه حتى اليوم مستشفيات باريس”. كان من الممكن أن يحظى المستشفى الجامعي محمد السادس بنفس الحضوة والامتياز ، ويتفوق في جودة الخدمات على أعثى المصحات الطبية الخصوصية ، ولكن تجري الرياح بما لا تشتهيه السفن ، فالظروف التي يمر منها المركز الاستشفائي محمد السادس كارثية ،يعاني منها الأطر الطبية والتمريضية ، وكذا المرضى والمرتفقين ، وهذا راجع بالأساس إلى إسناد الامور إلى غير أهلها ، لدرجة أصبح نفوذ الحراس الشخصيين أقوى من نفوذ الطبيب المتخصص ، وحضور السماسرة من أصحاب سيارات الإسعاف وكراء الكراسي والأسرة المتحركة وغيرهما أكثر حضورا من الممرضين والعاملين بالمستشفى. والأنكى من ذلك ، الإحساس بعجز الإدارة الحالية في إحكام سيطرتها وفرض نظام يسمح بتقديم خدمات في مستوى تطلعات الساكنة ، بعيداً عن الزبونية والرشوة والتعسفات التي ترتكب في حق المرضى وذويهم. نحن لا نبرئ بعض الزوار الذين لا يخجلون من خرق القانون ، وضرب كل الأعراف من خلال عدم الامتثال للنظام الداخلي للمستشفى ، كالزيارات خارج وقتها ، وتجاوز صفوف الطوابير الطويلة بشكل مستفز ومفضوح ، ورفع الصوت عاليا دون اهتمام للأوضاع الصحية للمرضى ، وتخريب وإتلاف المعدات والتجهيزات الأساسية وغير ذلك من السلوكات التي يدخل بعضها في إطار ردود فعل معاكسة. المستشفى الجامعي محمد السادس بمراكش ينطبق عليه اليوم المثل الشعبي “سمكة واحدة تلوث صندوقا كاملاً من السمك ، ففي خضم المشاكل و الأحداث المتراكمة ، تختفي المبادرات الإنسانية , ونادراً ما تتم الإشادة بالعمليات الجراحية الناجحة التي تستغرق الساعات الطوال، والتي تتطلٌب الجهد الكبير ، والكفاءة العالية ، وقليلا ما تسمع كلمة شكر وامتنان للأطر العاملة النظيفة..
فالصوت المسموع ، والحديث الدائر داخل الأوساط هو إقدام طبيبة في ريعان شبابها على الانتحار بسبب سوء المعاملة والتقدير ، سرقة مولود توأم من أمه، الأخطاء الطبية الفضيعة ، أعطاب وإصابات بليغة بسبب إهمال متعمد للمرضى ، الغيابات المتكررة لبعض الأطر الطبية والتمريضية ، أعطاب في الأجهزة الطبية،واضطرار المرضى التوجه صوب المختبرات الطبية الخاصة ، الطوابير المتكدسة ، الزبونية في توزيع المواعيد والاستفادة من الفحوص، الرشوة ……
اختلالات بالجملة ، و مجهودات كبيرة تضيع، ومال عام يهدر ، ومواطن يشتكي ، وأطر طبية وتمريضية تحتج وتصدر البلاغات والبيانات التنديدية ،ولا من يستجيب أو يحرك الماء الراكد ، مسؤوليات مشتركة ، والوضع الصحي سيظل في قفص الاتهام إلى أن يتخلص المجتمع من الجهل والجهال ، ويستيقظ الضمير المهني وتحترم أخلاقيات المهنة ، وتوفر الإرادة السياسية في النهوض الحقيقي بالمرفق الصحي العام خدمة للمصلحة العامة وليس خدمة للقطاع الخاص.
التعليقات مغلقة.