حكم البيعة في الإسلام دراسة أصولية

الانتفاضة // الدكتور الاستاذ // قطب مصطفى سانو // من علماء غينيا كوناكري

أولا : سيرًا على سنَن المنعمين من الأسلاف من الأصوليَّة والمتفقهة الذين يتحاشون بيان حكم الشرع في شيء من الأشياء قبل تحصيل الصورة الذهنية له ضبطا لحدوده، وتحريرا لقيوده، وتحقيقا لمناطه، وهو ما قرروه من قبل بقولهم الحكم على شيء فرع عن تصوره، لذلك، فإنه حري بالعبد الفقير اللواذ بالمصادر والمراجع التي عني أربابها بتعريف مصطلح البيعة بأنها اسم مصدر لفعل بايع يبايع مبايعة، ويراد بها في اللغة مطلق المعاقدة والمعاهدة والتولية، وبذل العهد على الطاعة والنصرة كما قال ذلك عدد من أئمة علماء اللغة والحديث كابن منظور في لسانه وابن الأثير في نهايته، وتسمى البيعة عندهم معاقدة ومعاهدة ” لكون كل واحد من المبايِعِ (=الرعية) والمبايِع له (الحاكم) يبيع ما عنده من صاحبه، ويعطيه خالصة نفسه وطاعته ودخيلة أمره، وهذا يعني أن البيعة في حقيقتها عبارة ع بذل العهد على الطاعة والنصرة وبعبارة أوضح عند ابن خلدون يراد بها “العهد على الطاعة، كأن المبايع يعاهد أميره على أنه يسلم له النظر في أمر نفسه، وأمور المسلمين، لا ينازعه في شيء من ذلك، ويطيعه فيما يكلفه به من الأمر على المنشط والمكره”.
وتطلق البيعة أيضًا على تلك العملية السياسية التي يقوم بها جمع من الناس لاختيار من يعاهدون على طاعته في المنشط والمكره مقابل قيامه هو الآخر بتدبير شؤونهم وجلب كل فيه منفعة لهم، ودرء كل ما فيه مفسدة لهم، وذلك وفقا لما أمر الله به من إقامة العدل، والمساواة، والرحمة، والإصلاح.

ثانيًا : بناء على هذين المعنيين لمصطلح البيعة عند إطلاقه، فإن العبد الفقير يفزع إلى تقرير القول إن حكم البيعة في الشرع بالمعنى الأول أي مطلق الطاعة والتعهد بالنصرة والولاء للحاكم وولي الأمر في المنشط والمكره فرض عين وواجب على كل مسلم، وقد وردت في وجوب ذلك نصوص كثار من الكتاب والسنة وتشمل سائر النصوص القرآنية والحديثية التى وردت في طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة ولي الأمر، ولا يسع المقام لسردها، وإنما كانت البيعة بهذا المعنى فرض عين حفاظا على مقصد انتظام أمر الأمة الذي يعد أسمى المقاصد وأعلاها شأنا ومكانة وشأوًا ، إذ من أجله شرعت الأحكام المتعلقة بالحفاظ على الأمن والأمان والاستقرار، وذلك بالابتعاد عن إثارة الفتن، والاضطرابات، والشغب بحسبان ذلك كله مفاسد يجب درؤها ودفعها ورفعها التزاما بقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ثالثًا : وأما حكم البيعة في الشرع بالمفهوم الثاني أي عملية اختيار الحاكم وتنصيبه، فإنها فرض كفاية لا تجب على عموم الأمة بل إذا قام بها بعض أفرادها المؤهلين لها سقط عن البقية، وكان يعرف أولئك المؤهلون لها عبر التاريخ بأهل الحل والعقد ، وكانوا في الغالب الأعم العلماء، والوجهاء في البلدان.. ومع مرور الزمن وتوسع الأقاليم والأمصار وظهور ما يعرف اليوم بالدول القطرية باتت ثمة طريقة أخرى للاعتداد بأهل الحل والعقد، إذ أصبح المراد بهم في العصر الحاضر أولئك المؤهلون للتصويت والاقتراع والانتخاب وفقا للشروط التي تضعها الأمم والدول والشعوب، مما يعني أن مهمة اختيار الحاكم والإمام التي انحصرت ذات يوم فيمن كانوا يعرفون بأهل الحل والعقد قد انتقلت هذه المهمة اليوم إلى المؤهلين قانونا للتصويت والاقتراع والانتخاب..
نعم.. تلك هي سنة التطور والتدافع التي لا تعارض نصا صريحا واضحا مباشرا من الكتاب المجيد والسنة النبوية الطاهرة، مما يعني أن الشروط الواجبة التوافر فيمن لهم الحق في المشاركة في اختيار الحاكم والإمام (=رئيس الدولة) شروط اجتهادية مرنة قابلة للتغير والتبدل كمًّا ونوعًا، وذلك بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال وبتبدل الأوضاع والعادات والتقاليد، ولا محظور في ذلك شرعا.

رابعًا : بناء على ما سبق تحريره وتأصيله، فإن العبد الفقير يخلص إلى القول إن ما شاع في هذا العصر من شغب المشاغبين، ولغط المغالطين على حديث مبارك من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلَّم لادعاء كون البيعة ركنا من أركان الإسلام، ودعوة مثيري الفتن والخروج الناس إلى بيعتهم واعتبارهم أمراء أو ولاة أمر المسلمين أو أئمة.. إن ذلك الحديث النبوي الشريف براء منهم براءة الذئب من دم ابن يعقوب، بل إنه حجة عليهم، ولا علاقة له بأركان الإسلام الواضحات الجليات، ولا بأركان الإيمان الناصعات، لكن الخروج وخلع الطاعة الذي حذر منه خاتم النبيين وإمام المرسلين عليه وآله صلوات ربي وتسليماته.
وأما المراد بالبيعة في ذلك الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ما نصه: (جَاءَ عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ إلى عبدِ اللهِ بنِ مُطِيعٍ حِينَ كانَ مِن أَمْرِ الحَرَّةِ ما كَانَ، زَمَنَ يَزِيدَ بنِ مُعَاوِيَةَ، فَقالَ: اطْرَحُوا لأَبِي عبدِ الرَّحْمَنِ وِسَادَةً، فَقالَ: إنِّي لَمْ آتِكَ لأَجْلِسَ، أَتَيْتُكَ لِأُحَدِّثَكَ حَدِيثًا سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُهُ: سَمِعْتُ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ يقولُ: مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ له، وَمَن مَاتَ وَليسَ في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً)، هو البيعة بالمعنى الأول وهو مطلق طاعة من كان واليا وحاكما ، ولا يراد به البيعة بالمعنى الثاني أي المشاركة في عملية اختيار لحاكم أو ولي أمر جديد.
ومستند العبد الفقير في هذا التأصيل هو الإمعان والقراءة المعرفية الإبستمولوجية في سبب استشهاد الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنهما بالحديث، فضلا عن التأمل في السياق، والسباق، والمقام والمآل.
وبعبارة أدق، أيها الأحباب، إن معرفة سبب تذكير عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ذلك التابعي الجليل عبد الله بن مطيع رحمه الله بهذا الحديث معينة لكم على حسن فهم المراد من عجز الحديث (من مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية )، إذ إن عبد الله بن مطيع رحمه الله كان ممن شارك في الخروج على إمارة وخلافة يزيد بن معاوية الذي نصب خليفة على المسلمين، ولم يقبل ابن مطيع ومعه أهل المدينة المنورة الذين خلعوا بيعة يزيد، وأخرجوا بني أمية من المدينة المنورة، ونصبوا ابن مطيع أميرا على قريش، وعبد الله بن حنظلة أميرا على الانصار، وكانت وقعة الحرة التي قتل فيها عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم والتابعين رحمة الله، وفر ابن مطيع من المعركة ولحق بالصحابي الجليل عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وقتل مع ابن الزبير، رضي الله عنه، وعبد الله بن صفوان رحمه الله، وهم معلقون بأستار الكعبة على يد الحجاج بن يوسف الثقفي، وأرسل رؤوسهم إلى المدينة المنورة. فليتأمل.
وأما سباق الحديث وسياقه، فإنه تأكيد وتقرير بأن المراد بالبيعة الطاعة للحاكم وولي الأمر القائم، وهذا ما يدل عليه صدر الحديث ( مَن خَلَعَ يَدًا مِن طَاعَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ يَومَ القِيَامَةِ لا حُجَّةَ له) أي من خرج على إمام أو حاكم عقدت له بيعة أي بيعة، كما هو الحال في بيعة يزيد بن معاوية، فإنه يعد عاصيا على الخروج لما يترتب عليه من هرج ومرج واختلال لمقصد انتظام أمر الأمة.. وبناء على هذا، فإن البيعة المذكورة في عجز الحديث هي الطاعة في المنشط والمكره والابتعاد عن الخروج والشغب، ولا يراد بها بأي حال من الأحوال البيعة بالمعنى الثاني أي عملية اختيار الحاكم وولي الأمر وتنصيبه، فليتأمل.

خامسًا : إذ الأمر كذلك وهو كذلك يقينا، فإن العبد الفقير يخلص إلى القول إن حكم البيعة في الشرع بكلا معنييها تعد واجبا من الواجبات الشرعية تماما كالعدل، والصدق، والاستقامة، والعفة، وغيرها من الأوامر والفرائض التي فرضها الله في كتابه الكريم وفرضها الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في سننه الشريفة، مما يعني أن مخالفتها وعدم الالتزام بها معصية من المعاصي التي يعاقب عليها المكلف يوم القيامة.. وليس ركنا من أركان الإسلام ولا ركنا من أركان الإيمان بكلا معنييها.
نعم.. إن العبد الفقير لا يعلم أحدا من علماء الأصحاب رضوان الله عليهم ومن فقهاء التابعين وتابعيهم وأئمة الاجتهاد والمحققين من أهل العلم قديما وحديثا رحمة الله عليهم عدوا البيعة بكلا معنييها ركنا من أركان الإسلام، مما يعني القول باعتبارها ركنا من أركان الإسلام أو ركنا من أركان الإيمان لا يعدو أن يكون قولا فاسدا لا سند له، ودعوى باطلة لا دليل عليها لا من الكتاب المجيد ولا من السنة النبوية الطاهرة، وذلك انطلاقا من كون أركان الإسلام وأركان الإيمان منصوصا عليها نصا صريحا واضحا مباشرا من الكتاب المجيد والسنة النبوية الشريفة، ومن ادعى الزيادة على تلك الأركان أو النقصان منها، فإنه يجب عليه أن يأتي بالدليل الصحيح الصريح الواضح المباشر من الكتاب أو من السنة على دعواه .. وإذ لا دليل، فلا اعتداد، ولا اعتبار بقول بل إن ذلك القول هوىً وتشهٍ وشغبٌ ولغطٌ لا يصدر ذلك عن عالم بل عن المرائين والمتعالمين والمدعين، وهؤلاء إما هم غالون، فيجب نفي تحريفهم، أو هم مبطلون، فيجب كشف انتحالهم، أو هم جاهلون، فيجب رد تأويلهم.. وتلك هي المهمة التي كلف الله بها العَالِمين العُدول الوَسَط من أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلَّم امتثالا لقوله (يحمِلُ هذا العلمَ من كلِّ خلَفٍ عدولُه ينفونَ عنهُ تحريفَ الغالينَ، وانتحالَ المبطلينَ، وتأويلَ الجاهلينَ). جعل الله العبد الفقير وإياكم جميعا من أولئك العدول..

وأخيرا : مهما يكن من شيء، فإن العبد الفقير يذكر نفسه وجميع متابعينا الأحبة بأهمية التمكن من علوم الاجتهاد قبل التصدي له، كما يذكر نفسه وإياهم بأهمية التشبع من مقاصد الشريعة وفقه المآلات قبل التصدي للإفتاء والتوقيع عن رب العالمين..

هذا، والله أعلم وأحكم.

التعليقات مغلقة.