مٓن يحتمي بالبطّانيات ، ويتدفأ بالمدفئات الكهربائية والخشبية ، وينام تحت الأسقف الإسمنتية، ويتنقل عبر السيارات الفاخرة ، ويتغدى في أشهر المطاعم …. لن يشعر بالأعداد الغفيرة من المشردين الذين يصارعون البرد القارص في هذا الفصل المطير ، لن يفهم معنى البطن الجائع ، ولن تتحرك مشاعره وهو يصادف مواطنين من مختلف الاعمار ، يفترشون الأرض العارية ، ويتغطون بالأسمال وقطع الكارطون، وأكياس البلاستيك المستعملة أصلا لنقل المتلاشيات والنفايات إلى مطارح الأزبال، تنام في الخلاء وعلى عتبات البيوت والمحطات، فئة مقطوعة من شجرة منخورة أصلاً ، بلا عنوان قار، ولا هوية، ولا هدف، فراغ في فراغ ، ولا من يرحم من في الأرض كي يرحمه من في السماء.
هذه الفئات المهمشة محرومة من حقها الطبيعي كمواطنين مغاربة؟ واقعها المرير يفضح من يتبجحون بحقوق الإنسان في العيش الكريم ، والسقف الآمن ، والبطن الشبعان ، الواقع يفند شعار كل المواطنين سواسية في الحقوق والواجبات ، وبالتكافل الإجتماعي ، والرعاية الاجتماعية.
بعض الكلاب في بلدي أفضل عيشا من أبناء جلدتنا ، على الأقل يوفر لها الأكل ، ويضمن لها المكان المناسب للمبيت ، فلا عجب ، ولا أسف اذا ما علمنا بموت مشرد هنا أو هناك ، فربما الموت أرحم من القلوب القاسية ، والمؤسسات الخيرية الجوفاء العاجزة عن احتضان المشردين الحقيقيين وإنقاذهم من المرض والموت المحقق
قد يقول المغرضون أن هؤلاء يرفضون اللجوء الى المآوي ، ويفضلون الشوارع والأزقة وحياة التشرد ، ونجيب وكما قيل في المثل الشعبي:” القط لا يفر من بيت العرس”, فلو وجد هؤلاء العناية الكافية ، وأحسوا بالأمن والأمان ، لما استبدلوا الخيريات بالشارع ، ولما اعتبروها سجنا يقيد الحرية ، ولا يقدم الخدمة التي تشد إليها النزيل.
إن ما يتعرض له أطفال الشوارع والمشردات من النساء يندى له الجبين ، هتك العرض ، والاغتصاب ، والاستغلال الجنسي ،وغير ذلك من أنواع الاعتداءات التي أضحت سارية في مجتمع الغاب الذي يفتك فيه القوي بالضعيف ، ولا مكان للأخلاق والعاطفة والخوف من المساءلة والسجن ، فالشارع قام بدوره في صناعة بشر بدون أحاسيس ، يدفنون معاناتهم في التعاطي للمخدرات الرخيصة ، والكحول قوية المفعول ، تولد لديهم كره داخلي لأنفسهم وللمجتمع ،فلم يعد يهمهم نظرة الناس اليهم ، ولا شتائمهم ، عاشوا الإقصاء ،ووجدوا في اللامبالاة ضالتهم ، وفي الانغماس في جماعات يوحدها الفقر والحاجة والادمان سبيلا للبقاء على قيد الحياه.
يتبع
.
التعليقات مغلقة.