يرافقني القلم و الورقة في كل رحلة ٠٠٠ أنا و القلم و الورقة و الحافلة 100 ٠

الانتفاضة

الحافلة تمضي بسرعة كعمر الإنسان الذي نظل نبعثر فيه بأحلامنا اللا متناهية ٠
تارة نتمناه أن يتمدد و تارة أن يتقلص و أحيانا نرجو أن ينجلي نهائيا، حتى الزمن لم يسلم من متمنياتنا و تناقضاتنا الغريبة التي تسكن دواتنا و كل الحلول لا تجد مجراها في داخلنا نسعى للكمال في واقع لا كمال به ٠
خواطر شتى تسكن كل الراكبين في الحافلة، عيون تحملق من زجاج النافذة، فهناك من أرهقة التفكير في خلفه الذي لم يرد صنيع أصوله و ابتعد عنها بانيا عويله الخاص به، و قد تناسى كل تضحياتهما ٠
و هناك من أثقل كاهله ديونه المتشعبة و التي نسي مقدارها من هول كثرتها، و منذ ولوجي للحافلة أصبح شغلي الشاغل هو النبش في الثرات و ما تزخر به المدينة من أبواب و أسوار تحولت إلى أطلال، ما يفرض النبش في هذا التاريخ الذي من المفروض أن يصنع فرصا للتنمية المستدامة و اجتراري للذكريات الجميلة، و ما بين هذا و ذاك تجدني أفكر في الطريق الطويل أمضيه كل سفر، و أشعة الشمس تخرق الزجاج دون استأذان تشوش تفكير و أحلام كل الركاب، تجعلنا نحترق بعد الدقائق المنفصلة بظلال الجبال و الأشجار بعيدا عن أفكارنا و أحلامنا التي يمخضها اهتزاز الحافلة 100 و سقفها المهترىء فضلا عن كراسيها المخربشة و المزركشة بالعلكة و بخربشات مراهقين تعبر عن أللا شعورهم، و الذي تسمح لهم الحافلة بكتابة ما يرفضه الأنا الأعلى ٠
و ما سيشعرك بالإنهيار الداخلي هو مضي عشرة ساعات نمطية في حافلة الخطر كل سفر، لكننا مضطرون لركوبها لأنها قد تكون أحيانا الحل الأنسب في تأجيل أحلامك و ترقيعها و غصها بصمت ٠
ها قد تعطلت الحافلة من جديد كعادتها، الشيء الذي سيدفعك إلى الإستجمام برائحة المطاط المحترق المنبعث من محرك الحافلة و إلى إهدار بعض من الوقت في الإنتظار إلى أن يتم إصلاح العطب لينبش نزاع بين السائق يجعله يلتفظ بكلمة نابية ستضطر مرة أخرى إلى غض السمع عنها ٠
و أنت في لحظات الإنتظار تشعر برغبة في البكاء حسرة على واقع كنت ترفسه بقدميك و تلقيه دائما في سلة المهملات و تنشه عن فكرك لتجد نفسك منغمسا فيه بشدة ٠
بعد لحظات عصيبة من الممل و الإنتظار، نادانا السائق إلى الركوب بالمنبه الصوتي «لكلاكصون» من جديد في الحافلة ما أن دلف هذا الأخير إلى مقعده حتى إنطلق الركاب في صراع و عراك عن المقاعد، و كأنك تشاهد قطيعا من الثيران تتسابق نحو الحظيرة، و رائحة المطاط التي استنشقوها أترث عليهم و جعلتهم يفقدون مقاعدهم و الدخول في صراع و عراك، فأصبحنا أمام سيناريو دراماتيكي ٠
عدنا و عادت أحلام إلينا من جديد بعد أن نالت حظها هي الأخرى من الإنقطاع في البت، بيد أني مزقت كل هذه الأوراق و الأحلام، عندما صعدت إلى الحافلة بعد توقفها بقرية جميلة بطابعها الجبلي و النخيل و الواحات، للحظات متسول محترف يثير استفزازي و غضبي و يردد لازمة حفظتها من كثر استماع إليها رغم أني أكره ذريعة التسول ٠
أنا دائما أناشد السلم و أتطلع إليه، لكني عندما أشاهد هذا المتسول المحترف، أنسف السلم الذي أصبح من ضمن بديهياتي و أتمنى لو أنهال عليه ضربا، بالطبع في الأحلام دائما ما أن يصمت حتى يصمت غضبي الصامت، هو الآخر و ما ينسيني شريط التمرد و المعاناة هذين هو الإحساس المرهف و الصوت الحزين لمغنية الحافلة الحالمة بالثرات كي ألتقط بسمات أتمم بها طريقي الطويل و اشجب بها السيناريو الممل الذي نعيشه كل يوم و نعيش في الأحداث نفسها ٠
الشيء الوحيد الذي يحتفظ بتبوثه هو أنا و المتسول، فكلانا تقلنا الحافلة نفسها، أما الركاب فهم متجددون باستمرار لكن الفرق بيني و بينه هو كون هذا الأخير جعل من الحافلة حلا نهائيا لأزماته و لديه مطلق الحرية في انتقاء الحافلات الأخريات للتسول فيها، أما انا فقد جعلت من الحافلة حلا مؤقتا يقلني من مدينة لأخرى للبحث عن الخبر لأني أمارس مهنة المتاعب «الصحافة»، مما يتيح لي نوعا من الأمل في التخلص يوم السفر من هذا الكابوس المائة ٠
أوشكنا على الوصول إلى المدينة لكن الحافلة توقفت من جديد و بسرعة كبيرة كبحت مقودها ٠
إنتفض أحد الراكبين بلباسه التقليدي المعتاد «اللباس الصحراوي»، يتفقد سبب التوقف و تقديم يد المساعدة لإصلاح العطب، تسمر في مكانه و بدأ يصرخ كطفل صغير: ماتوا ماتوا ٠٠٠ لم يكن السبب عطب في محركاتها بل سبب إجلاء جثت حافلة أخرى إنقلبت في الطريق نفسه٠
جميع من كانوا يحلمون في الحافلة حجوا إلى مشاهدة الفيلم الواقعي اليومي نساء يبكين و رائحة الموت تتسلل من جثت الموتى، تمنيت لو كنت ما أشاهده فيلما لأغير المحطة التلفزية، لكنه كان حقيقة و ما أصعب الحقيقة عندما تتجرد من الخيال إلى الواقع و تتجسد أمام مرآتك و لا تملك إلا أن تتقبلها كما هي موجودة ٠
و بعد ربع ساعة من التوقف الفجائي تنطلق الحافلة من جديد و قد خففت من سرعتها مخافة أن نلقى نفس ما آلات إليه الحافلة المقلوبة في الطريق و كان السائق يتقاسم خواطر ركابه الذين يتساءلون عم إذا لو كنا نحن من دست العجلات على رفاتنا ؟ ٠
ما ذا لو كان مصير الحافلة 100 هي مصير الحافلة 30 المقلوبة ؟،لكن رفاتنا لازال اللحم يكسوها و قدر الحافلة 100؟
أن تستمر في الوجود لتشارك أحلام ركابها المتضررة برائحة الدخان و المطاط و لتستمر القصة بفرض نفسها بنفس النمطية.
و صلت الحافلة أخيرا بعد عشر ساعات من المعاناة تحس و كأن العالم مكوم في فضائها الضيق لينطلق كل الركاب إلى حال سبيله و لأنطلق أنا إلى تدوين ما يحدث في كل سفر في قصة إسمها الحافلة 100،و لأكتب قصة أناس آخرين سيركبون معي في سفر آخر سينصرفون و تنصرف معهم أحلامهم و أظل أنا و القلم و الورقة و الحافلة 100 ٠
البداوي إدريسي : مدير مسؤول لجريدة الأحداث الأسبوعية «م-ن» و الكاتب العام للإتحاد الوطني المستقل لقطاع الصحافة و الإعلاميين و معتمد لدى جريدة الانتفاصة المغربية ٠

التعليقات مغلقة.