ظاهرة التعري باسم الحضارة بين الامس واليوم

الانتفاضة / ياسمين السملالي
عندما تقتل الحشمة في بلادنا وتضيع بين أزقته شوارعنا العتيقة فتتلاشى اخر معالم حضارتنا التي اتسمت عبر العصور بالنزاهة والشرف والحياء يصبح العري تطورا وخلع الملابس دليلا على التحضر ضاعت سمات الحياة بين بعضها واختلطت الأوراق وأصبح الأبيض اسودا والمر مالحا ويطغى على المرء العجب لا يمكن ان نظل في الظلام مختبئين فلا بد لنا ان نستقصي أسباب تفشي اوبئة الفكر في عصرنا الحديث لعل قائلا يقول أن التعري لم يكن يوما حكرا على الحضارة الغربية المعاصرة فهو وريث الحضارات السابقة عربية أم غربية ؟ ألم نر المنحوتات في أثينا وفي روما؟ وماذا عن لوحات عصر النهضة وأوساط اوروبا أن التعري بالفعل ليس حالة طارئة على اوساطنا المجتمعية وليس حالة ثورية مفاجئة قد عهدته البشرية منذ أزلها ولكن ما يختلف في عصرنا هذا عن سابقاته من العصور؟.
فإن ألقيت نظرة على الحضارات القديمة سترى أن أنظمة تلك البلاد كانت لا تمانع من شيوع التعري، بل كانت تحمي أفرادها وتضمن لهم الحقوق وتشرع لهم الواجبات، ولكن كانت تجرم لفتيات الطبقة العليا في المجتمع الحاكمة والبورجوازية والدينية من ارتداء لباس الجواري والاماء والنساء البغايا وعلى العكس أيضا كانت القوانين حينها تنزل اشد العقوبات إن قامت إحدى نساء العبيد، أو العاملات في سلك الدعارة أن يرتدين لباس المرأة الحرة، فإن ذلك يعد إخلالا بتوازن المجتمع وتمردا على قوانينه، بمعنى آخر لقد كان العري منتشرا ولكن كان مقتصرا على من ليس لهن قيمة اجتماعية وكان يعد سمة من سمات الصعلكة والوضاعة ويرمز الى قيمة أصحابها المتدنية والذين لا يملكون حرية انفسهم ويمكن الاستشهاد على ذلك بحضارات عدة كالإغريق والرومان ومصر القديمة وصولا إلى شبه الجزيرة العربية وهذا ما كان شائعا في الجاهلية.
بدل ان تنهك نفسك في السيطرة على القطعان في حضيرتك اجعلهم جميعا قطيعا واحدا ان هذه العبارة تختصر جل أزماتنا الثقافية والسياسية والاقتصادية فإن إطباق مفهوم ثقافي واحد وتسليطه على المجتمعات البشرية بإكراه بعد الطابع الأجلى لسياسة العرب تجاه باقي الشعوب مما حمل معه منظورا اجتماعيا واحدا أصبح من الواضح أداة لوحشية الغرب الديكتاتورية في فرضه على المجتمعات كافة وقولبتها بشكل قسري واعتباطي عبر شتى اشكال الاعلام ومختلف أنواع الدراما والمسلسلات وصولا الى عالم السينما الذي انتج مزيجا غير متجانس من التيارات الاجتماعية المتضاربة في العالم الثالث فبين مؤيد اعمى للغرب ومحافظ متعنت للترات ظهر لنا نوع جديد من القضية الثقافية والاجتماعية التي تزداد تطرفا يوما بعد يوم في أوساط مجتمعاتنا وهذا ما سيؤول في نهاية المطاف إلى تهتك البنى الواصلة بيننا لينهار مجتمعنا من تلقاء نفسه وتتلاشى هويتنا الثقافية.
ان الحضارة هي الاخلاق (انما الأمم الاخلاق ما بقيت فان هم ذهبت اخلاقهم ذهبوا).
عندما ننزل مخطوطات التاريخ على الرفوف وننفث الغبار عنها نرى ونقرا على صفحاتها ان الانهيار الأخلاقي والانحلال المجتمعي كان دائما بمثابة نقوس الخطر والذي يدق معلنا انهيار الحضارة بأكملها وان مظاهر التعري والزنا والدود كانت دائما ضعف لا قوة انهيار لا بناء تخلف لا حضارة رجعية لا تطور.
كل الحضارات السابقة اتخذت مجموعة من القيم الصدق والأمانة والإخلاص والعفة والحياء أساسا لترتكز عليها منطلقا لنهضتها والتي صبت محور اهتمام لرفع قيمة الفرد الى ما فوق ونزع الغرائز والشهوات ليرقى بذلك الى نور الملكوت.
ان كل ما يغرس في اذهان شبابنا اليوم تح مفاهيم طنانة وبراقة مختلفة ما هو إلا ضلال كبير وتشويه لعين لأعظم مفاهيم الإنسانية.
ان التحرر دائما كان مطلبا وغاية للإنسان هدفه الأساسي احياء العدالة في الأرض وإطلاق العنان للإبداع نحو السماء ولم يكن يوما مدخلا رديئا للانحلال بل سبيلا للرفعة والكرامة فتنبهوا بذلك يا أبناء جلدتي وعوا ما يسومونكم من ضلال وانهضوا من سبات الغفلة لعلكم تدرون مجدكم القديم.

التعليقات مغلقة.