زيارة ملك إسبانيا إلى سبتة ومليلية.. استفزاز للمغاربة أم رسالة سياسية تعيد ملف الاستعمار إلى الواجهة؟

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

ليست زيارة ملك إسبانيا، فيليبي السادس، إلى سبتة ومليلية مجرد محطة بروتوكولية عادية في أجندة القصر الملكي الإسباني، بل هي خطوة تحمل أبعاداً سياسية وتاريخية ودبلوماسية، وتعيد إلى الواجهة واحداً من الملفات الحساسة في العلاقات المغربية الإسبانية: ملف المدينتين اللتين يعتبرهما المغرب جزءاً من ترابه الوطني، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما.

ففي يومي 13 و14 أكتوبر 2026، قام الملك فيليبي السادس، مرفوقاً بالملكة ليتيثيا، بزيارة سبتة ومليلية، في أول زيارة ملكية إسبانية للمدينتين منذ سنة 2007. وقد جاءت الزيارة لتؤكد، من وجهة النظر الإسبانية، ارتباط المدينتين بالدولة الإسبانية، في وقت لا تزال فيه قضية السيادة عليهما موضع خلاف تاريخي وسياسي مع المغرب.

 *وهنا يحق للمغاربة أن يطرحوا السؤال بصوت واضح: ماذا تريد إسبانيا أن تقول للمغرب من خلال هذه الزيارة؟ وهل يمكن اعتبارها مجرد زيارة داخلية، أم أنها تحمل رسالة سياسية تتجاوز حدود البروتوكول؟*

إن المغرب، بشعبه ومؤسساته، لا ينظر إلى سبتة ومليلية باعتبارهما مجرد مدينتين عاديتين على الضفة الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، بل باعتبارهما جزءاً من الذاكرة التاريخية والوطنية للمغاربة، وملفاً يرتبط بمسألة استكمال الوحدة الترابية.

فكيف يمكن لدولة تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، وترفع شعارات الشراكة والتعاون واحترام حسن الجوار، أن تتجاهل حساسية هذا الملف بالنسبة إلى الشعب المغربي؟ وكيف يمكن الحديث عن شراكة استراتيجية بين الرباط ومدريد، في الوقت الذي تظل فيه قضية المدينتين حاضرة بكل ما تحمله من خلافات تاريخية وسياسية؟

سبتة ومليلية.. ذاكرة تاريخية لا يمكن تجاوزها

إن الحديث عن سبتة ومليلية يفرض العودة إلى التاريخ، لأن العلاقات بين المغرب وإسبانيا ليست وليدة اليوم، بل تشكلت عبر قرون من التفاعل والتعاون والصراع. وقد خضعت المدينتان للسيطرة الإسبانية منذ قرون، فيما يواصل المغرب التمسك بموقفه الرافض للاعتراف بالسيادة الإسبانية عليهما.

ومن هذا المنطلق، فإن الزيارات الملكية الإسبانية للمدينتين لا تُقرأ في المغرب باعتبارها مجرد أنشطة رسمية، بل يمكن أن تُفهم باعتبارها تأكيداً للموقف الإسباني من قضية السيادة، وهو ما يجعلها تثير حساسيات سياسية وتاريخية لدى قطاعات من الرأي العام المغربي.

أليس من حق المغرب أن يطرح السؤال؟

إذا كانت إسبانيا والمغرب تجمعهما مصالح اقتصادية وأمنية وتجارية، وتربطهما ملفات مشتركة تتعلق بالهجرة والاستقرار والتعاون الإقليمي، فإن احترام الحساسيات التاريخية يظل عنصراً أساسياً في بناء الثقة بين البلدين.

فالمغرب ليس دولة هامشية، ولا شعبه مستعداً للتخلي عن ذاكرته التاريخية. كما أن المطالبة بفتح نقاش سياسي ودبلوماسي مسؤول حول سبتة ومليلية لا تعني الدعوة إلى التصعيد، بل تعني التمسك بحق المغاربة في التعبير عن موقفهم من قضية يعتبرونها مرتبطة بوحدتهم الترابية.

الاتحاد الأوروبي وشعارات احترام القانون الدولي

تطرح هذه القضية أيضاً سؤالاً سياسياً موجهاً إلى الاتحاد الأوروبي: كيف يمكن التوفيق بين مبادئ احترام السيادة الوطنية وتسوية النزاعات بالوسائل السلمية، وبين استمرار الخلاف حول مدينتين يعتبرهما المغرب جزءاً من ترابه الوطني؟

إن المطلوب ليس تحويل الخلاف المغربي الإسباني إلى مواجهة بين الشعبين، فالشعبان تجمعهما علاقات إنسانية واقتصادية وثقافية عميقة، وإنما المطلوب هو التعامل مع الملفات التاريخية الحساسة بقدر أكبر من الحكمة والمسؤولية والوضوح.

ما المطلوب من الدبلوماسية المغربية؟

إن الدفاع عن المصالح الوطنية يقتضي مواصلة التحرك الدبلوماسي الهادئ، وفتح النقاش حول مستقبل سبتة ومليلية، مع الحفاظ على المصالح المشتركة للمغرب وإسبانيا، وتجنب أي خطوات من شأنها الإضرار بعلاقات الجوار.

كما أن الصمت الرسمي، إن اختير في مرحلة معينة، لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه تنازل عن الموقف المغربي. فقد أفادت تقارير صحفية، يوم 13 أكتوبر 2026، بأن السلطات المغربية لم تعلن آنذاك عن رد رسمي مماثل لما حدث عقب زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول سنة 2007.

زيارة تفتح الأسئلة ولا تطوي صفحة التاريخ

إن زيارة الملك فيليبي السادس إلى سبتة ومليلية تضع العلاقات المغربية الإسبانية أمام اختبار جديد، وتعيد إلى الواجهة سؤالاً لم يحسمه التاريخ بعد من وجهة النظر المغربية.

فهل تريد مدريد من هذه الزيارة تثبيت موقفها السياسي فحسب، أم أنها تدرك أيضاً أن قضية المدينتين تظل حاضرة بقوة في الذاكرة الوطنية المغربية؟

إن الجواب عن هذا السؤال لا يتوقف على المراسم الملكية أو التصريحات الرسمية وحدها، بل يرتبط بمدى استعداد البلدين لمعالجة خلافاتهما التاريخية بروح الحوار والاحترام المتبادل.

ستظل سبتة ومليلية قضية حاضرة في النقاش الوطني المغربي، وسيظل من حق المغاربة التعبير عن موقفهم منها بالوسائل السلمية والدبلوماسية، دفاعاً عن ذاكرتهم التاريخية ومطالبهم الوطنية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.