الانتفاضة/ مهدي الكريمي (متدرب)
لم يكن مشهد الدور نصف النهائي لكأس العالم 2026 حدثًا عاديًا، بعدما اجتمعت المنتخبات الأربعة الأولى في التصنيف العالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، وهي إسبانيا والأرجنتين وفرنسا وإنجلترا، في سابقة لم تعرفها البطولة منذ اعتماد التصنيف العالمي. هذا التوافق اللافت أثار تساؤلات واسعة بين المتابعين: هل فرضت نتائج الملعب نفسها هذا السيناريو، أم أن نظام القرعة الجديد الذي اعتمده فيفا ساهم في رسم الطريق أمام كبار المنتخبات حتى الأدوار الأخيرة؟
نظام جديد غيّر شكل البطولة
مع توسيع كأس العالم إلى 48 منتخبًا، وجد فيفا نفسه أمام تحدٍ جديد يتمثل في تجنب اصطدام المنتخبات الكبرى ببعضها في مراحل مبكرة، خاصة بعد استحداث دور الـ32 الذي زاد من احتمالات مواجهة متصدرين للمجموعات منذ دور الـ16.
ولمواجهة هذا الاحتمال، اعتمد الاتحاد الدولي آلية جديدة لتوزيع المنتخبات الأربعة الأولى في التصنيف العالمي على أربعة مسارات مختلفة داخل جدول الأدوار الإقصائية، بما يضمن عدم مواجهتها لبعضها قبل نصف النهائي، شرط أن تنجح جميعها في تصدر مجموعاتها.
ويشبه هذا النظام ما هو معمول به في بطولات التنس الكبرى، حيث يتم توزيع المصنفين الأوائل على أجزاء مختلفة من الجدول لتفادي المواجهات المبكرة، دون أن يعني ذلك ضمان تأهلهم إلى الأدوار المتقدمة.

الطريق لم يكن مفروشًا بالورود
ورغم الاستفادة من توزيع المسارات، فإن المنتخبات الأربعة لم تصل إلى نصف النهائي بسهولة.
الأرجنتين تجاوزت الرأس الأخضر ثم مصر قبل أن تحسم مواجهة قوية أمام سويسرا، بينما أطاحت إسبانيا بالنمسا ثم البرتغال وبعدها بلجيكا في واحدة من أصعب الرحلات نحو المربع الذهبي.
أما فرنسا، فواصلت عروضها القوية بإقصاء السويد وباراغواي ثم المغرب، في حين شقت إنجلترا طريقها على حساب الكونغو الديمقراطية والمكسيك ثم النرويج، التي كانت قد فجرت مفاجأة بإقصاء البرازيل.
هذه النتائج تؤكد أن نظام القرعة وحده لم يكن كافيًا، بل احتاجت المنتخبات الكبرى إلى تجاوز اختبارات صعبة داخل المستطيل الأخضر.
جدل حول مبدأ تكافؤ الفرص
ورغم تأكيد فيفا أن الهدف من النظام الجديد هو تحقيق توازن أكبر في المنافسة، فإن بعض المراقبين يرون أن الآلية الجديدة منحت أفضلية واضحة للمنتخبات الأعلى تصنيفًا، ومنحت الجماهير فرصة أكبر لمشاهدة أقوى المنتخبات في المراحل الحاسمة.
في المقابل، يرى مؤيدو النظام أن التصنيف العالمي يجب أن تكون له قيمة عملية داخل البطولة، وأن حماية المنتخبات الأعلى تصنيفًا من المواجهات المبكرة أمر معمول به في العديد من البطولات العالمية، ولا ينتقص من عدالة المنافسة طالما أن التأهل يبقى مرهونًا بنتائج المباريات.

هل أصبح المونديال يشبه بطولات التنس؟
اعتماد هذا النموذج يفتح الباب أمام مرحلة جديدة في تاريخ كأس العالم، إذ باتت البطولة تقترب من فلسفة البطولات الفردية مثل ويمبلدون، التي تفصل بين المصنفين الكبار حتى الأدوار النهائية، كما يتشابه ذلك مع بعض أنظمة توزيع الأندية في دوري أبطال أوروبا.
ويبقى السؤال الذي سيظل مطروحًا بعد مونديال 2026: هل أسهم النظام الجديد في تقديم بطولة أكثر إثارة وتنظيمًا، أم أنه منح أفضلية إضافية للمنتخبات الكبرى على حساب مبدأ تكافؤ الفرص؟
في جميع الأحوال، فإن وصول إسبانيا والأرجنتين وفرنسا وإنجلترا إلى نصف النهائي سيظل محطة تاريخية، ليس فقط لأنها تجمع أفضل أربعة منتخبات في تصنيف فيفا، بل لأنها قد تمثل بداية حقبة جديدة في طريقة تنظيم أكبر بطولة كروية في العالم.