الانتفاضة/ ابراهيم السروت
أثار تداول مقاطع مصورة من داخل مسجد بجماعة الملاليين التابعة لإقليم تطوان موجة واسعة من النقاش على منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أظهرت المشاهد إدخال آلات موسيقية إلى الفضاء الديني، إلى جانب تداول لقطات أخرى قيل إنها توثق لمتابعة مباراة للمنتخب المغربي من داخل المسجد. وقد تباينت ردود الفعل حول هذه الواقعة، بين من اعتبرها خروجا عن الرسالة الأساسية للمساجد ومساسا بحرمتها، وبين من دعا إلى التثبت من ملابسات ما جرى قبل إصدار الأحكام، مطالبا بتوضيحات رسمية من الجهات المختصة.
ويؤكد عدد من المتابعين أن للمساجد مكانة خاصة في المجتمع المغربي، باعتبارها بيوتا لله خصصت لإقامة الصلوات وذكر الله وتلاوة القرآن الكريم وتعليم العلوم الشرعية، فضلا عن دورها في ترسيخ قيم الوسطية والاعتدال والتماسك الاجتماعي. ومن هذا المنطلق، يرى هؤلاء أن أي استعمال للمسجد خارج الأهداف التي أنشئ من أجلها ينبغي أن يخضع لضوابط واضحة تراعي قدسية المكان وتحافظ على هيبته، حتى لا تتحول بيوت الله إلى فضاءات تثير الجدل أو الانقسام داخل المجتمع.
وزاد من حدة التفاعل مع هذه الواقعة أنها جاءت في سياق نقاش سبق أن أثارته بعض المضامين الإعلامية ذات الصلة بالشأن الديني، وهو ما دفع عددا من المواطنين إلى التعبير عن تخوفهم من تكرار ممارسات يعتبرون أنها لا تنسجم مع طبيعة الفضاءات الدينية ورسالتها. وفي المقابل، شدد آخرون على ضرورة عدم الاكتفاء بالمقاطع المتداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لأن هذه المواد قد تكون مجتزأة أو منزوعة من سياقها، مؤكدين أهمية انتظار المعطيات الرسمية قبل تكوين موقف نهائي.
ويرى متابعون للشأن الديني أن الحفاظ على مكانة المساجد مسؤولية جماعية، تبدأ من احترام المصلين لحرمة المكان، وتمر عبر حسن تدبير الأنشطة التي قد تنظم داخله، وتنتهي بدور الجهات الوصية في السهر على تطبيق الضوابط القانونية والتنظيمية المؤطرة لتسيير المساجد والزوايا. كما أن التواصل مع الرأي العام عند بروز مثل هذه الوقائع يساهم في إزالة اللبس وتوضيح الحقائق، بما يعزز الثقة ويحد من انتشار التأويلات والإشاعات.
وتبقى المساجد في الوجدان المغربي فضاءات للعبادة والتربية الروحية وتعزيز القيم الدينية والوطنية، وهو ما يجعل الحفاظ على قدسيتها مطلبا يحظى باهتمام واسع لدى مختلف فئات المجتمع. لذلك، فإن أي واقعة تثير تساؤلات بشأن طبيعة الأنشطة المقامة داخلها تستوجب التعامل معها بقدر من المسؤولية والحكمة، عبر توضيح ملابساتها، والالتزام بالقوانين المنظمة، وصون المكانة الرمزية لبيوت الله، بما يضمن استمرارها في أداء رسالتها الدينية والتربوية بعيدا عن كل ما قد يثير الجدل أو يؤثر في هيبتها.