الانتفاضة/ مهدي الكريمي (متدرب)
أسدل الستار على رحلة المنتخبات العربية في كأس العالم 2026، بعدما ودّع المنتخب المغربي المنافسات من الدور ربع النهائي إثر خسارته أمام فرنسا، لينتهي بذلك المشوار العربي في البطولة. ورغم غياب أي منتخب عربي عن المربع الذهبي، فإن المشاركة حملت العديد من المؤشرات الإيجابية التي تعكس التطور المتواصل لكرة القدم العربية، وتفتح الباب أمام طموحات أكبر في المستقبل.
كان المنتخب المغربي آخر ممثل للعرب في المونديال، ونجح للمرة الثانية على التوالي في بلوغ الدور ربع النهائي، ليؤكد أن الإنجاز التاريخي الذي حققه في نسخة قطر 2022 لم يكن مجرد صدفة، بل ثمرة مشروع كروي متكامل أثبت قدرته على المنافسة أمام كبار منتخبات العالم.
وخلال البطولة، قدم “أسود الأطلس” عروضًا قوية، فتعادلوا مع البرازيل، وحققوا انتصارات مميزة على إسكتلندا وهايتي وهولندا، قبل أن يقصوا كندا صاحبة الأرض في ثمن النهائي، لتنتهي مغامرتهم أمام المنتخب الفرنسي بعد أداء مشرف عزز مكانة المغرب بين نخبة المنتخبات العالمية.
وعلى الجانب الآخر، صنعت مصر تاريخًا جديدًا بعدما تجاوزت دور المجموعات لأول مرة في تاريخ مشاركاتها بكأس العالم، وحققت أول انتصار مونديالي لها، قبل أن تودع المنافسات من ثمن النهائي أمام الأرجنتين في مباراة مثيرة شهدت جدلًا تحكيميًا واسعًا. ورغم الإقصاء، أثبت “الفراعنة” قدرتهم على منافسة كبار المنتخبات، في مؤشر إيجابي على تطور مشروعهم الفني.
أما المنتخب الجزائري، فعاد إلى الأدوار الإقصائية لأول مرة منذ مونديال 2014، بعدما تجاوز واحدة من أصعب مجموعات البطولة، مستعيدًا شخصيته وروحه التنافسية رغم البداية الصعبة أمام الأرجنتين، وهو ما أعاد “الخضر” إلى واجهة المنافسة العالمية.
وسجل المنتخب القطري بدوره تطورًا ملحوظًا مقارنة بمشاركته الأولى في مونديال 2022، بعدما حصد أول نقطة في تاريخه بكأس العالم بتعادله مع سويسرا، في خطوة تعكس تحسنًا تدريجيًا يمكن البناء عليه خلال السنوات المقبلة.
وفي المقابل، قدم المنتخب السعودي مستويات مشجعة رغم خروجه المبكر، إذ لم يتعرض سوى لهزيمة واحدة في دور المجموعات أمام إسبانيا، ونافس بقوة أمام أوروغواي، بينما أثبتت نتائج البطولة لاحقًا قوة المنتخبات التي واجهها، ما منح مشاركته قيمة فنية أكبر مما تعكسه النتائج النهائية.
وشهدت البطولة أيضًا الظهور الأول للمنتخب الأردني في كأس العالم، حيث اكتسب “النشامى” خبرة ثمينة رغم الخروج من دور المجموعات، بعدما قدموا مباريات اتسمت بالشجاعة وسجلوا أهدافًا في جميع لقاءاتهم، في تجربة قد تمثل نقطة انطلاق نحو مستقبل أكثر إشراقًا.
كما عاد المنتخب العراقي إلى نهائيات كأس العالم لأول مرة منذ عام 1986، وواجه مجموعة من أقوى منتخبات البطولة، ورغم صعوبة المهمة، فإن مجرد العودة إلى الساحة العالمية بعد أربعة عقود يمثل إنجازًا مهمًا يمكن البناء عليه في السنوات المقبلة.
في المقابل، كانت مشاركة المنتخب التونسي الأكثر خيبة بين المنتخبات العربية، بعدما سجل أسوأ حصيلة له في تاريخ مشاركاته بالمونديال، إلا أن هذه النتائج قد تكون بداية لمراجعة شاملة وإعادة بناء المشروع الكروي التونسي على أسس أكثر صلابة.
ورغم انتهاء الحلم العربي عند محطة ربع النهائي، فإن حصيلة مونديال 2026 تؤكد أن كرة القدم العربية تواصل تقليص الفجوة مع كبار العالم. فالمغرب رسخ مكانته بين المنتخبات الكبرى، ومصر والجزائر عادتا بقوة إلى الواجهة، فيما وضعت السعودية وقطر والأردن والعراق أسسًا لمشاريع واعدة، في حين تبدو تونس مطالبة بإعادة ترتيب أوراقها.
وبين خيبة الإقصاء وفخر الإنجازات، خرجت الكرة العربية من مونديال 2026 برسالة واضحة: الطريق نحو المنافسة على اللقب لم يعد حلمًا بعيد المنال، بل مشروعًا يحتاج إلى الاستمرارية والعمل والتخطيط طويل المدى.