جريمة صامتة بأطراف الأصابع.. حين يتحول الغطاء الأخضر إلى ذكرى

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

في مشهد يتكرر كل صيف، لا تبدأ المآسي بانفجار مدوٍ أو بلهيب يتسلق عنان السماء، بل بجمرة صامتة، بحجم عقب سيجارة، تُلقى بهدوء على جانب الطريق. تلك الجمرة، التي تظن أنها قد ماتت، تحمل في داخلها شرارة كافية لتحويل غابات عريقة إلى رماد، وحقول خضراء إلى صحارى قاحلة. إنها جريمة بيئية ترتكب بأطراف الأصابع، وتدفع ثمنها الطبيعة والإنسان معًا.

تشير إحصاءات الدفاع المدني إلى أن نسبة لا يستهان بها من حرائق الغابات والمزروعات تعود مباشرة إلى الإهمال البشري، وعلى رأسها رمي أعقاب السجائر. فالسيجارة الواحدة، بعد إطفائها، تحتفظ بحرارة داخلية قد تصل إلى 300 درجة مئوية، وهي كافية، في ظل الجفاف والرياح، لإشعال فتيل كارثة. وما أن تلتقط النار أول خيط يابس، حتى تتحول الرياح من صديق للطبيعة إلى عدوٍ لدود، ينقل الشرر لمسافات بعيدة، محوّلاً المشهد إلى معركة خاسرة مع الزمن.

خلال دقائق، يتغير كل شيء. الأشجار التي شهدت أجيالًا تتساقط كأنها أعواد ثقاب، والحيوانات التي وجدت ملاذها هناك تفرّ مذعورة دون وجهة. يتصاعد الدخان الأسود كثيفًا فيغطي السماء، محوّلاً النهار إلى ليل خانق، ومحولاً التنفس إلى معاناة حقيقية للسكان القاطنين على بعد كيلومترات. المشهد ليس مجرد حريق، بل هو حرب ضروس يخوضها الإنسان ضد بيئته بسلاح اللامبالاة.

تتجاوز تداعيات هذه الحرائق بكثير خسارة الأشجار. إنها خسارة اقتصادية فادحة، حيث تفقد الأسر مصدر رزقها من المحاصيل والثروة الحيوانية. وخسارة بيئية، حيث تختفي أنواع نادرة من النباتات والكائنات، وتنكشف التربة للتعرية والتصحر. وخسارة صحية، إذ تتحول الأدخنة السامة إلى وباء صامت يصيب الرئتين ويهدد حياة كبار السن والأطفال. الأرقام قد تحصى، لكن الأثر النفسي والروحي لفقدان مساحات كانت تمثل ذاكرة المكان، يبقى جرحًا لا يندمل.

قبل أن تتجه الأنظار إلى السماء بحثًا عن المطر، أو إلى الجهات الرسمية طلبًا للمزيد من الطائرات والمعدات، لا بد من التوقف لحظة عند الفعل الأبسط والأهم: المسؤولية الفردية. إن إطفاء السيجارة تمامًا، ووضعها في المكان المخصص، وليس إلقائها من نافذة السيارة أو على هامش الطريق، ليس مجرد سلوك حضاري، بل هو واجب إنساني وأخلاقي. كن أنت حائط الصد الأول أمام النيران، لأن الجمرة التي تظنها ميتة، قد تكون شرارة نهاية عالم أخضر.

لكن المسؤولية لا تقف عند الفرد وحده، بل تمتد إلى المؤسسات الحكومية والمنظمات البيئية ووسائل الإعلام. فلا بد من حملات توعية مستدامة طوال العام، وليس فقط في مواسم الحرائق، إضافة إلى تشديد العقوبات على مرتكبي هذه المخالفات بحزم، والاستثمار الجاد في أنظمة الإنذار المبكر بالذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية، التي تتيح رصد الحرائق في مهدها قبل استفحالها.

تبقى الغابات والأراضي الزراعية ميراثًا للأجيال، وأمانة في أعناقنا لا تبرأ ذمتنا إلا بحسن الحفاظ عليها. النار قد تخبو، لكن آثارها تبقى عالقة في التربة والذاكرة لعقود. لذا، قبل أن تخرج جمرة سيجارتك من يدك، اسأل نفسك: هل أنا مستعد أن أتحمل مسؤولية تحول هذه اللحظة العابرة إلى مأساة دائمة؟ الغابة ليست مجرد أشجار، هي نبض الحياة. احمِ النبض قبل فوات الأوان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.