الرحامنة.. مطالب بمراجعة دفتر تحملات تدبير المسبح الشمالي لضمان تكافؤ الفرص

0

الانتفاضة/ أكرام

أثار ملف كراء وتدبير المسبح الشمالي بمدينة ابن جرير، بإقليم الرحامنة، موجة جديدة من الجدل داخل الأوساط السياسية والمحلية، بعدما طالب أحد أعضاء المجلس الجماعي بتدخل عامل الإقليم لإعادة النظر في دفتر التحملات الذي تمت المصادقة عليه خلال دورة استثنائية للمجلس، معتبرا أن عددا من مقتضياته تحد من المنافسة وتتنافى مع مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص المنصوص عليها في الدستور والقوانين المنظمة للجماعات الترابية. ويأتي هذا التطور في وقت يترقب فيه الرأي العام المحلي انطلاق استغلال هذا المرفق الرياضي الذي أنجز بتمويل من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، ويعول عليه لتوفير فضاء رياضي وترفيهي لفائدة ساكنة المدينة، خاصة الأطفال والشباب.

وفي هذا السياق، وجه المستشار الجماعي ميلود باها، عضو جماعة ابن جرير، رسالة إلى عامل إقليم الرحامنة، التمس من خلالها التدخل بصفته سلطة مكلفة بمراقبة شرعية مقررات الجماعات الترابية، من أجل إلغاء مقرر المصادقة على دفتر تحملات كراء المسبح الشمالي، والدعوة إلى إعادة التداول بشأن عدد من البنود التي اعتبر أنها لا تستجيب لمبادئ الحكامة الجيدة، ولا تضمن منافسة حقيقية بين الراغبين في تدبير هذا المرفق العمومي. وأكد المستشار أن الهدف من هذه المبادرة هو ترسيخ مبادئ الشفافية وضمان المساواة بين مختلف المتنافسين، بما ينسجم مع المقتضيات الدستورية التي تؤطر تدبير الشأن العام المحلي.

ويرى صاحب الرسالة أن بعض الشروط الواردة في دفتر التحملات من شأنها تضييق دائرة المشاركة وحصرها في عدد محدود من المقاولات، وهو ما قد يحرم مستثمرين آخرين من حقهم في التنافس على تدبير المرفق، رغم توفرهم على الكفاءة والخبرة والإمكانات الضرورية. ويعتبر أن المبدأ الأساسي في تدبير المرافق العمومية يقوم على فتح باب المنافسة أمام أكبر عدد ممكن من الفاعلين الاقتصاديين، بما يضمن اختيار العرض الأفضل من حيث الجودة والكفاءة والقدرة على تقديم خدمة عمومية تستجيب لتطلعات المواطنين.

ومن بين أبرز النقاط التي أثارت انتقاد المستشار الجماعي، اشتراط دفتر التحملات توفر المقاولة الراغبة في المنافسة على ما لا يقل عن عشرين مستخدما مصرحا بهم لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي خلال السنوات الثلاث الأخيرة. ويرى أن هذا الشرط لا يتناسب مع طبيعة المرفق ولا مع موضوع عقد الاستغلال، موضحا أن المستثمر الذي سيفوز بالصفقة سيكون ملزما بطبيعة الحال بتوظيف الموارد البشرية اللازمة لتسيير المسبح وفق البرنامج الذي سيقدمه، وبالتالي فإن اشتراط توفر هذا العدد من المستخدمين قبل إسناد العقد يشكل، بحسب رأيه، عائقا غير مبرر أمام ولوج عدد من المقاولات إلى المنافسة.

وأشار إلى أن القدرة على تشغيل اليد العاملة ينبغي أن تكون التزاما مرتبطا بمرحلة تنفيذ العقد وليس شرطا مسبقا للإقصاء من المنافسة، خاصة أن العديد من المقاولات الصغرى والمتوسطة والمستثمرين الشباب يمتلكون المؤهلات التقنية والمالية التي تؤهلهم لتدبير مثل هذه المرافق، غير أنهم لا يتوفرون على العدد المطلوب من المستخدمين المصرح بهم خلال السنوات السابقة، وهو ما يجعلهم خارج دائرة المنافسة منذ البداية.

واعتبر المستشار أن هذا الشرط يتعارض مع روح الفصل 35 من الدستور المغربي، الذي يكرس مبادئ حرية المبادرة والمنافسة الشريفة وتشجيع الاستثمار وتكافؤ الفرص، مؤكدا أن اعتماد شروط إقصائية قد يؤدي إلى الحد من انفتاح السوق أمام المستثمرين، ويؤثر سلبا على جاذبية الاستثمار المحلي، خصوصا بالنسبة للمقاولات الناشئة التي تسعى إلى تطوير أنشطتها والمساهمة في تدبير المرافق العمومية.

وأضاف أن عدد المستخدمين لا يمكن اعتباره معيارا موضوعيا لقياس كفاءة المستثمر أو قدرته على تدبير مرفق رياضي من هذا الحجم، لأن نجاح عملية الاستغلال يرتبط بعوامل أخرى أكثر أهمية، من بينها الخبرة السابقة في تدبير المرافق الترفيهية أو الرياضية، والقدرة المالية على تنفيذ الالتزامات، وجودة برنامج الاستثمار والصيانة، إضافة إلى الوسائل التقنية والبشرية التي يتعهد المستثمر بتوفيرها بعد حصوله على عقد التدبير.

ولم تتوقف ملاحظات المستشار عند شروط المنافسة فقط، بل امتدت أيضا إلى الجانب المتعلق بحماية حقوق المرتفقين، حيث سجل أن دفتر التحملات لم يتضمن مقتضيات واضحة تضمن الحفاظ على أسعار الخدمات في مستويات معقولة تراعي القدرة الشرائية للمواطنين، خاصة الأسر ذات الدخل المحدود. وأوضح أن غياب آليات واضحة لمراقبة الأسعار أو تحديد سقوف لها قد يفتح المجال أمام رفع أثمنة الولوج إلى المسبح مستقبلا، وهو ما قد يحرم فئات واسعة من الاستفادة من هذا المرفق العمومي الذي أنجز أساسا لخدمة الساكنة.

كما دعا إلى إدراج مقتضيات دقيقة تنظم مراجعة الأسعار، وربط أي تعديل مستقبلي بموافقة المجلس الجماعي، بما يضمن التوازن بين حق المستثمر في تحقيق مردودية اقتصادية وحق المواطنين في الاستفادة من خدمات عمومية بأسعار مناسبة. وأكد أن تدبير المرافق العمومية لا ينبغي أن يخضع فقط لمنطق الربح، وإنما يجب أن يراعي أيضا البعد الاجتماعي ودور هذه المرافق في تحسين جودة الحياة وتعزيز الولوج العادل إلى الخدمات الأساسية.

وشددت الرسالة على أن المرفق العمومي يقاس بمدى مساهمته في تحقيق المصلحة العامة، وضمان استمرارية الخدمة وجودتها، وليس فقط بحجم العائدات المالية التي يحققها المستثمر أو الجماعة. ولذلك، فإن دفتر التحملات ينبغي أن يتضمن التزامات واضحة تتعلق بالصيانة الدورية، والمحافظة على جودة التجهيزات، وضمان شروط السلامة، واحترام أوقات العمل، وتوفير خدمات تستجيب لتطلعات مختلف فئات المرتفقين.

ويأتي هذا الجدل بعد أيام قليلة فقط من مصادقة مجلس جماعة ابن جرير، خلال دورة استثنائية انعقدت يوم الجمعة الماضي، على دفتر تحملات كراء وتدبير المسبح الشمالي، وهي المصادقة التي جرت وسط نقاشات حادة بين أعضاء المجلس، عكست تباين وجهات النظر حول مضمون الوثيقة والشروط التي تتضمنها. وقد اعتبر بعض الأعضاء أن الدفتر يضمن حسن استغلال المرفق واختيار مستثمر قادر على تدبيره بكفاءة، فيما رأى آخرون أن بعض بنوده تحتاج إلى مراجعة حتى تحقق التوازن بين ضمان جودة التدبير وفتح المجال أمام المنافسة.

ويعد المسبح الشمالي بابن جرير من المشاريع الرياضية الجديدة التي تم إنجازها بتمويل من مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط، في إطار البرامج الرامية إلى دعم البنيات التحتية الرياضية والترفيهية بالإقليم. وينتظر أن يشكل هذا المشروع متنفسا مهما لساكنة المدينة، خاصة في فصل الصيف، فضلا عن مساهمته في تشجيع ممارسة الرياضة واكتشاف المواهب في مجال السباحة، وتوفير فضاء آمن للأطفال والشباب.

ويؤكد متتبعون للشأن المحلي أن نجاح هذا المشروع لن يتوقف فقط على جودة البنية التحتية، بل يرتبط أيضا بطريقة تدبيره، ومدى احترام مبادئ الشفافية والمنافسة خلال اختيار المستثمر الذي سيتولى استغلاله، إضافة إلى ضمان تقديم خدمات ذات جودة عالية بأسعار تراعي مختلف الفئات الاجتماعية. كما يشددون على أهمية اعتماد دفتر تحملات متوازن يجمع بين حماية المال العام، وتشجيع الاستثمار، وضمان حق المواطنين في الاستفادة من مرفق عمومي يحقق أهدافه الاجتماعية والرياضية.

وفي انتظار ما ستسفر عنه مراسلة المستشار الجماعي، وما إذا كانت السلطة الإقليمية ستتخذ إجراءات بشأن الملاحظات المثارة، يبقى ملف المسبح الشمالي بابن جرير محل اهتمام واسع داخل المدينة، بالنظر إلى أهمية المشروع وانعكاساته على الحياة الرياضية والاجتماعية، ولما يمثله من اختبار جديد لمبادئ الحكامة الجيدة والشفافية في تدبير المرافق العمومية، وهي المبادئ التي أصبحت تشكل ركيزة أساسية في تعزيز الثقة بين المؤسسات والمواطنين، وضمان حسن تدبير المشاريع التي تمول من المال العام أو بشراكات تنموية تخدم المصلحة العامة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.