من القحط إلى الإزهار.. الحدرة نموذج للنهوض الفلاحي بإقليم قلعة السراغنة

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

تشهد منطقة الحدرة بإقليم قلعة السراغنة تحولاً نوعياً يلفت الأنظار، حيث تنتقل من واقع الجفاف إلى مشهد يفيض بالخضرة والخصوبة، في صورة تعكس قدرة الله سبحانه وتعالى على تبديل الأحوال، وكيف أنه إذا أراد أمراً قال له كن فيكون. فبالأمس كانت هذه البقعة توصف بالأرض شبه القاحلة التي أنهكتها سنوات العطش المتتالية، واليوم أصبحت تنبض بالحياة وتزهو بخيراتها، في مشهد يذكرنا بقوله تعالى: “وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ”، فسبحان من أحياها بعد موتها وجعل منها جناتٍ ترفل بالخضرة والجمال.

ويعود هذا التحول الملحوظ إلى فضل الله أولاً وآخراً، حيث أنزل الغيث بعد سنوات من الجفاف القاسي التي عصفت بالمنطقة، وجفت خلالها الآبار وتصدعت التربة ويئس الكثير من الفلاحين من موسمهم الزراعي. لكن رحمة الله وسعت كل شيء، فعمت التساقطات المطرية الأخيرة المنطقة، خاصة على مستوى واد تساوت، لتسقي الأرض الظمأى وتعيد إليها روحها وحيويتها. وإلى جانب هذه النعمة الإلهية، جاءت تدخلات فلاحية مدروسة ووعي متزايد لدى الفلاحين بأهمية استغلال الموارد المتاحة بشكل أمثل، فكان هذا التحول الذي جعل من الحدرة واجهة فلاحية واعدة، تتنفس فيها الحياة من جديد بعد سنوات الركود والإحباط.

ويُذكر أن إقليم قلعة السراغنة، الذي يمتاز بموقع جغرافي استراتيجي وتربة متنوعة، ظل لسنوات رهين التقلبات المناخية القاسية، حيث عانى الفلاحون من موجات جفاف متتالية أثقلت كاهلهم وأرهقت مواردهم المائية، بل ودفعت بعضهم إلى هجر أراضيهم بحثاً عن مورد رزق آخر. لكن المنطقة، وبفضل العناية الإلهية ثم عزيمة أهلها واستعدادهم للتكيف، استطاعت أن تقلب المعادلة، فتحولت بفضل المطر والعمل إلى جنّة خضراء تروي ظمأ الآمال وتؤكد أن الفرج يأتي بعد الشدة، وأن الأرض قادرة على البذل والعطاء متى ما شاء الله أن يحييها ويسقيها بعنايته ورحمته.

إن ما تشهده الحدرة اليوم ليس مجرد موسم فلاحي عابر، بل هو محطة تحوّل استراتيجي، يُظهر أن الإرادة المحلية حين تقترن بعون الله وفضله، يمكنها أن تُحدث فروقاً ملموسة في الواقع الاقتصادي والاجتماعي. وهذه الدينامية المتجددة تفتح آفاقاً واعدة لمستقبل زراعي أكثر استدامة، خاصة مع تنامي الاهتمام بالقطاع الفلاحي بالمنطقة، واستمرار دعم الفلاحين وتشجيعهم على تبني أساليب عصرية في الري والاستغلال الأمثل للموارد المتاحة، مما يعزز الأمن الغذائي المحلي ويوفر فرص عمل للساكنة التي ظلت سنوات تصارع الجفاف وتنتظر فرج الله.

ومما لا شك فيه، أن هذا النجاح يظل مشهوداً بالفضل لله وحده الذي ساق الغيث وأنزل البركة، ثم للإرادة الصلبة التي تحلت بها أيادٍ فلاحية أنهكتها سنوات الجفاف لكنها ظلت صابرة محتسبة، مؤمنة بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وأن العسر يتبعه يسراً، وأن الغيث يأتي بعد القنوط. وهكذا، تبقى الحدرة نموذجاً حياً للأمل بعد سنوات من الجفاف، ورسالة مضيئة بأن قدرة الله فوق كل شيء، وأن الأرض إذا شاء ربها أن تحيا فإنها تحيا، لتبقى هذه البقعة شاهداً على أن الحياة لا تموت في تراب الوطن ما دامت فيه يدٌ تعمل وقلبٌ يدعو ونفسٌ تؤمن بأن الله على كل شيء قدير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.