الانتفاضة / سيداتي بيدا
ليست كل المعارك التي تُخاض باسم الحقوق بريئة من الأهداف، وليست كل الشعارات الإنسانية قادرة على إخفاء حقيقة ما يُراد تمريره إلى وعي المجتمعات. فحين تتحول الدعارة من ظاهرة اجتماعية مرفوضة إلى موضوع يُطرح تحت عناوين الحماية القانونية والتقنين والاعتراف، يصبح الجدل أكبر من مجرد رأي شخصي، ويتحول إلى مواجهة فكرية وأخلاقية تمس هوية المجتمع وحدود قيمه.
هذا ما فجّرته قضية المحامية نسمة الخطيب بعد قرار النقابة العامة للمحامين إيقافها مؤقتاً عن مزاولة المهنة وإحالتها إلى المحاكمة التأديبية، على خلفية تصريحات دعت إلى تقنين أوضاع العاملات في الدعارة ومنحهن حماية قانونية واجتماعية وصحية.
تصريحات أشعلت عاصفة من الغضب داخل الأوساط القانونية وخارجها، لأنها لم تُفهم باعتبارها نقاشاً قانونياً مجرداً، بل اعتُبرت محاولة لإضفاء المشروعية على سلوك يرفضه القانون وترفضه المنظومة الأخلاقية للمجتمع.
إن المحامي ليس مجرد حامل لنصوص قانونية أو متحدث باسم القوانين الجامدة، بل هو جزء من منظومة العدالة وحارس لقيمها ورسالتها. وحين يصدر عن أحد المنتسبين لهذه المهنة ما يُفهم منه تبرير الانحراف أو السعي إلى إعادة تقديمه في صورة حق مكتسب، فإن الأمر يتجاوز حدود حرية التعبير ليطرح سؤالاً أكثر خطورة: هل يجوز تحويل ما يكافحه القانون إلى واقع يُطالب البعض بتنظيمه وتقنينه؟
المجتمعات لا تنهار دفعة واحدة، بل تبدأ رحلة التآكل عندما تتراجع المعايير الأخلاقية تحت ضغط الشعارات البراقة والمفاهيم الملتبسة.
وما يُقدَّم اليوم تحت عنوان “الحماية” قد يتحول غداً إلى اعتراف، ثم إلى تطبيع، ثم إلى واقع مفروض على الأجيال الجديدة باعتباره أمراً عادياً لا يستحق الرفض أو الاستنكار.
ولا أحد يجادل في ضرورة صون الكرامة الإنسانية لكل إنسان، لكن حماية الإنسان شيء، ومنح الشرعية للظواهر المنحرفة شيء آخر تماماً. فالحلول الحقيقية لا تكون بتقنين الأزمات الأخلاقية، بل بمعالجة أسبابها ومحاصرة منابعها وتجفيف الظروف التي تدفع إليها.
قضية نسمة الخطيب لم تعد قضية شخص أو تصريحات عابرة، بل أصبحت اختباراً حقيقياً لقدرة المؤسسات المهنية على حماية رسالتها، وقدرة المجتمع على التمسك بثوابته في زمن تتعرض فيه القيم لمحاولات إعادة تعريف مستمرة.
فالكلمات ليست أصواتاً عابرة في الهواء، بل قد تكون مفاتيح لأبواب إذا فُتحت يوماً، قد يصعب إغلاقها.