الورق الممزّق والنفوس المرهقة: أزمة القيمة في المشهد التربوي الختامي

0

الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد

مع إسدال الستار على العام الدراسي، وهدير أصوات الامتحانات الأخيرة، تتحول ساحات المؤسسات التعليمية إلى مشاهد غير مألوفة، حيث تتناثر أشلاء الكتب والكراسات الممزقة، في طقس سنوي بات يتكرر وكأنه جزء لا يتجزأ من نهاية الرحلة الدراسية. هذا الفعل الجماعي، الذي قد يظنه البعض مجرد تنفيس عن ضغوط متراكمة، يحمل في عمقه دلالات خطيرة تستوجب وقفة متأنية، بعيداً عن الأحكام المسبقة، للبحث في جذوره النفسية والتربوية والاجتماعية.

لا يمكن اختزال ظاهرة تمزيق الكتب في مجرد تصرف طائش من جانب الناشئة، بل هي مؤشر صارخ على تنامي الفجوة بين المتعلم ومحتوى تعليمي يُنظر إليه غالباً باعتباره عبئاً ثقيلاً أو أداةً للتقويم والتقييد، لا نافذةً على المعرفة. ويُجمع مختصو علم النفس التربوي على أن هذا السلوك يعكس حالة من الإرهاق الذهني والضغط العاطفي المتراكم طوال أشهر الدراسة، والتي تبحث عن متنفس لحظي، غير أن تحول هذا المتنفس إلى تقليد جماعي يُمارس دون وعي، يكشف عن غياب ثقافة تقدير الجهد المبذول في تأليف الكتاب وإنتاجه، وعن تراجع في منظومة القيم المرتبطة بحرمة المعرفة.

إن تداعيات هذه الظاهرة لا تتوقف عند حدود المشهد الرمزي أو الصورة غير الحضارية التي تتركها في النفوس، بل تمتد إلى أبعاد اقتصادية وبيئية ملموسة، حيث تذهب الميزانيات الكبيرة المخصصة للطباعة والنشر أدراج الرياح في لحظات معدودة، وتتحول تلك النفايات الورقية إلى عبء بيئي إضافي. لكن الأكثر إيلاماً هو البعد التربوي العميق؛ إذ يُفقد الطالب بهذا التصرف فرصة الاحتفاظ بمصادر معرفية قد يحتاجها مستقبلاً، ويُحرم من قيمة التشارك عبر التبرع بها لمن هم في مراحل أدنى، مما يكرس ثقافة الاستهلاك الفردي بدل الاستدامة والعطاء.

لمعالجة هذا الخلل البنيوي، تقع مسؤولية جماعية متكاملة على عاتق الأسرة والمدرسة والمجتمع، دون تحميل طرف واحد تبعات الأمر. فالأسر مدعوة إلى غرس مفاهيم تقدير الملكية العامة والخاصة، واحترام رمزية الكتاب، في حين ينبغي للمؤسسات التربوية أن تستثمر في برامج التوعية النفسية، وأن تبتكر أنشطة بديلة ومسابقات ثقافية في اليوم الأخير من الدراسة، تعيد توجيه طاقات التلاميذ نحو الإبداع بدلاً من الإتلاف. كما أن تحسين جودة المضمون التعليمي، وجعل الكتب أكثر جاذبية وتفاعلية، يشكلان رافعة أساسية لتقليل النفور الذي يقود إلى هذا السلوك.

في الختام، يبقى تحويل نهاية العام الدراسي من محطة إتلاف إلى محطة تقدير واعتزاز بالمعرفة، تحدياً حضارياً وتربوياً يستدعي وعياً جماعياً. إن تمزيق الورق لا يمحو صعوبات السنة الدراسية، بل يمحو معها فرصة بناء جيلٍ يُدرك أن قيمة الكتاب لا تقاس بثمنه الورقي، بل بما يحمله من فكرٍ يبني العقول، ويصنع المستقبل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.