الانتفاضة//ذ.الحجوي محمد
في أعماق سلسلة جبال الأطلس الكبير، حيث تتشابك قمم الصخر مع عنان السماء، وتحتضن الوديان أسرار الطبيعة البكر، تقبع إحدى أندر الجواهر المائية التي حباها الله هذه البقعة من المغرب العميق. إنها “عيون إغبولا” الواقعة بدوار تستوتين، التابع لقبيلة فطواكة العريقة، والذي يدخل إدارياً ضمن تراب جماعة آيت أومديس. هذا الموقع الفريد ليس مجرد منابع مياه عابرة، بل هو نبض الحياة النابض في شرايين تلك القرى المعلقة بين الصخور، حيث يلتقي عطاء الأرض بجمال الجبل.
ما إن تقترب من عيون إغبولا حتى تفاجئك نسمات باردة تنبعث من بين الصخور، لتعلن عن قرب لقائك بمياه تتحدى حرارة المناخ الجبلي القاسي. تتميز هذه المياه بصفائها البلوري وعذوبتها الفائقة، وكأنها قد صفيت عبر مرشحات طبيعية من طبقات الأرض العميقة. تنساب الينابيع بهدوء وهي تشق طريقها بين الحصى، محدثة خريراً عذباً يكسر صمت الجبال الشامخة، ويضفي على المكان طابعاً روحانياً يأسر القلوب قبل الأبصار.
لكن روعة المكان لا تتوقف عند حدود مناظره الخلابة، فالجبال المحيطة بعيون إغبولا تستفيض بالخيرات وتزخر بالثروات الطبيعية التي تتفجر من خلال هذه المنابع. المياه التي تتدفق من أعماق القمم لا تقف عند حد إرواء ظمأ الساكنة، بل تشق طريقها بشق الأنفس عبر المجاري الطبيعية لتصل إلى الحقول والضيعات الفلاحية. هناك، في الأسفل، تتحول قطرات الماء الذهبية إلى خضرة يانعة، حيث تسقي الأراضي الزراعية وتنعش المزروعات، لتروي جذوع أشجار الزيتون واللوز، وتضفي الحياة على المحاصيل التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد سكان دوار تستوتين وقبيلة فطواكة بكاملها.
ورغم هذا الجمال الأخاذ والدور الحيوي الذي تلعبه، تظل عيون إغبولا تعاني من شح الالتفاتة الرسمية والإعلامية اللازمة. فهذه الجوهرة المغمورة تواجه تحديات جمة، أبرزها عزلة المنطقة وقساوة المسالك الوعرة التي تعيق وصول المستثمرين أو حتى فرق الصيانة لتأهيل البنية التحتية المائية. كما أن التغيرات المناخية وتراجع منسوب التساقطات في بعض السنوات يهدد وفرة هذه الينابيع، مما يستدعي وضع استراتيجية محكمة للحفاظ عليها، عبر بناء سدود صغيرة لحجز المياه الفائضة، وتنظيم عملية الري لضمان استدامة هذا المورد الثمين للأجيال القادمة.
في الختام، تظل عيون إغبولا بدوار تستوتين تحفة طبيعية تنتظر من يكتشفها وينفض عنها غبار النسيان. إنها ليست مجرد مياه باردة تروي الحقول، بل هي ملحمة حقيقية يتجسد فيها تلاحم الإنسان المغربي مع أرضه وجباله، وقصة كفاح يومية تكتبها الطبيعة بأحرف من ماء وضوء. إن الحفاظ على هذه اللؤلؤة الأطلسية لا يعني فقط حماية مورد مائي، بل هو استثمار في التراث الطبيعي للمغرب العميق، وفي مستقبل زراعي أكثر إشراقاً لأهالي آيت أومديس الذين تستحق قراهم كل دعم واهتمام.


