الانتفاضة/ جميلة ناصف
أثارت قضية اتهام الصحافي أشرف بلمودن بالغش خلال اجتياز امتحانات البكالوريا دورة يونيو 2026 نقاشا واسعا تجاوز حدود الواقعة نفسها ليطرح أسئلة أعمق تتعلق بقرينة البراءة، وأخلاقيات النشر، وحدود المسؤولية الإعلامية، وطبيعة العلاقة بين الرأي العام والقضايا التي لا تزال معروضة على مساطر البحث والتحقيق.
ففي ظرف زمني وجيز، تحولت الواقعة من مجرد اتهام يخضع للإجراءات القانونية والإدارية المعمول بها إلى قضية رأي عام استأثرت باهتمام واسع على مواقع التواصل الاجتماعي وفي عدد من المنابر الإعلامية. وسرعان ما انتشرت التعليقات والاستنتاجات والأحكام المسبقة، وكأن جميع مراحل البحث والتحقيق قد انتهت وأصبح الحكم النهائي جاهزاً للتنفيذ في الفضاء الرقمي قبل أن يصدر عن الجهات المختصة.
هذه السرعة الكبيرة في تداول الخبر تطرح أكثر من علامة استفهام. فكل سنة تشهد امتحانات البكالوريا تسجيل عشرات، بل مئات وربما آلاف حالات الغش بمختلف أشكالها، ويتم التعامل معها وفق المساطر القانونية والتربوية المعتمدة، دون أن تتحول بالضرورة إلى مادة إعلامية تحظى بهذا الحجم من التداول والاهتمام. لذلك يحق للمتابع أن يتساءل: ما الذي جعل هذه القضية تحديدا تحظى بكل هذا الانتشار؟ وهل يتعلق الأمر فقط بطبيعة الواقعة، أم أن هوية الشخص المعني بها لعبت دورا محوريا في تضخيمها وإخراجها من نطاقها الاعتيادي؟
لا يمكن فصل هذا النقاش عن المسار المهني لصاحب القضية. فالرجل راكم خلال سنوات من العمل الإعلامي حضورا لافتا من خلال تتبعه لملفات مرتبطة بالفساد والحكامة وتدبير المال العام وقضايا الشأن المحلي. وهي ملفات بطبيعتها تضع الصحافي في مواجهة دائمة مع مراكز النفوذ ومصالح متضررة من النشر والكشف والمتابعة. ومن هنا يبرز سؤال مشروع: لو تعلق الأمر بشخص آخر لا يشتغل في الصحافة، أو بصحافي لا يعرف إلا بالتطبيل والتسويق والدعاية، هل كان الخبر سيحظى بنفس القدر من الانتشار والتفاعل والاهتمام؟
بعيدا عن أي أحكام مسبقة، فإن المثير للانتباه أيضا هو الطريقة التي خرجت بها المعطيات المرتبطة بالقضية إلى الفضاء العام. فالمؤسسات التعليمية ومراكز الامتحانات تخضع لضوابط قانونية وأخلاقية دقيقة فيما يتعلق بسرية المعطيات الشخصية للمترشحين. لذلك يظل من المشروع التساؤل عن الجهة التي قامت بتسريب الخبر، وكيف انتقلت تفاصيل الواقعة إلى مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية بهذه السرعة، في وقت يفترض فيه أن تظل المعطيات المرتبطة بالبحث محفوظة إلى حين استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
إن خطورة الأمر لا تكمن فقط في الواقعة موضوع الجدل، بل في إمكانية تحول بعض المؤسسات أو الفضاءات المفترض فيها الحياد إلى مصدر لتسريب المعلومات وتوجيه الرأي العام قبل انتهاء التحقيقات. فحين تصبح المعطيات الشخصية عرضة للتداول خارج الأطر القانونية، فإن ذلك يطرح إشكالا يتعلق بحماية الحقوق الفردية وباحترام الضمانات الأساسية التي يفترض أن يتمتع بها جميع المواطنين دون استثناء.
وفي خضم هذا السجال، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: هل أصبح الفضاء الرقمي بديلا عن المؤسسات المختصة؟ فالملاحظ أن مواقع التواصل الاجتماعي باتت في كثير من الأحيان تتحول إلى محاكم موازية تصدر الأحكام وتنفذ العقوبات المعنوية قبل استكمال المساطر الرسمية. ويتم ذلك أحيانا بناء على معلومات ناقصة أو روايات أحادية أو تسريبات غير مؤكدة، مما يجعل الحقيقة ضحية للاستعجال والرغبة في صناعة الإثارة والسبق.
إن دولة الحق والقانون لا تقاس فقط بقدرتها على معاقبة المخالفين عند الاقتضاء، بل أيضا بقدرتها على حماية حقوق الأفراد أثناء البحث والتحقيق، واحترام قرينة البراءة، وضمان المساواة في التعامل مع جميع القضايا مهما كانت هوية أصحابها. فالعدالة لا تكون عدالة إلا عندما تطبق على الجميع بنفس المعايير، بعيدا عن الانتقائية أو تأثير الشهرة أو طبيعة المواقف والآراء.
ويبقى من حق الرأي العام أن يتابع القضايا التي تشغله، ومن حق الإعلام أن ينقل الأخبار ويواكب المستجدات، لكن ذلك لا ينبغي أن يتم على حساب المبادئ الأساسية التي تحكم المجتمعات الديمقراطية، وفي مقدمتها احترام الكرامة الإنسانية وقرينة البراءة وعدم تحويل الاتهام إلى إدانة نهائية قبل صدور الأحكام والقرارات الرسمية.
في النهاية، قد تنتهي هذه القضية بقرار أو حكم أو توضيح رسمي، لكن الأسئلة التي أثارتها ستظل مطروحة بقوة: لماذا انتشر الخبر بهذه السرعة؟ ولماذا تم تسريب معطياته على هذا النحو؟ وهل كانت ستلقى نفس الاهتمام لو تعلق الأمر بشخص آخر؟ والأهم من ذلك كله: كيف يمكن التوفيق بين حق المجتمع في المعرفة وحق الأفراد في محاكمة عادلة تحفظ لهم كرامتهم وحقوقهم الأساسية؟ وهي أسئلة تتجاوز حدود هذه الواقعة لتلامس جوهر النقاش حول العدالة والإعلام والحريات في المجتمع.