الانتفاضة/ ابراهيم أكرام
تشهد الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية منذ سنوات تحولات عميقة على المستويات السياسية والإدارية والتنموية، في إطار رؤية استراتيجية تراهن على جعل الصحراء المغربية نموذجا متقدما للحكامة الترابية والتنمية المستدامة، غير أن هذه الدينامية المتسارعة ما تزال تصطدم أحيانا ببقايا منظومات تقليدية قائمة على الولاءات العائلية والنفوذ المحلي، وهي إشكالية عادت إلى واجهة النقاش العمومي بعد ما أثير مؤخرا من معطيات ووثائق وتسريبات تتعلق بتدبير العقار واستغلال النفوذ في بعض المناطق الجنوبية.
ويعيد هذا الجدل طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الحكامة المحلية بالأقاليم الجنوبية، ومدى قدرة الدولة على الانتقال الكامل من منطق التوازنات التقليدية إلى منطق المؤسسات الحديثة وربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في ظل الرهانات الكبرى المرتبطة بتنزيل مشروع الحكم الذاتي والنموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية.
لقد شكلت الصحراء المغربية عبر عقود مجالا حساسا سياسيا واستراتيجيا بالنسبة للدولة المغربية، وهو ما جعل تدبيرها يخضع في مراحل معينة لمقاربات خاصة تراعي التوازنات القبلية والاجتماعية والسياسية، غير أن التحولات التي عرفها المغرب خلال السنوات الأخيرة، سواء على مستوى الإصلاحات الدستورية أو ورش الجهوية المتقدمة، دفعت نحو إعادة النظر في أنماط التدبير التقليدية، وتعزيز حضور المؤسسات المنتخبة وآليات الرقابة والمحاسبة.
وفي هذا السياق، جاء النموذج التنموي الجديد للأقاليم الجنوبية، الذي أطلقه الملك محمد السادس سنة 2015، ليؤسس لمرحلة جديدة تقوم على التنمية الاقتصادية والاجتماعية وتعزيز البنيات التحتية وربط المسؤولية بالمحاسبة، عبر ضخ استثمارات ضخمة في مجالات الموانئ والطرق والطاقة والتعليم والصحة، بهدف تحويل الصحراء المغربية إلى قطب اقتصادي واستراتيجي إفريقي.
غير أن تنزيل هذه الرؤية الطموحة يواجه تحديات حقيقية، أبرزها استمرار بعض مظاهر النفوذ التقليدي المرتبط بالعقار والامتيازات والولاءات المحلية، وهي قضايا كثيرا ما تثير الجدل داخل الأوساط السياسية والحقوقية والإعلامية، خصوصا عندما ترتبط باتهامات تتعلق باستغلال النفوذ أو احتكار الثروة أو توظيف العلاقات القبلية والعائلية في التحكم في مفاصل القرار المحلي.
وقد أعادت التسريبات والوثائق التي تم تداولها مؤخرا بشأن تدبير العقار والنفوذ في بعض الأقاليم الجنوبية فتح هذا النقاش بقوة، حيث يرى متابعون أن المرحلة الحالية تستوجب القطع النهائي مع كل الممارسات التي تعيق بناء نموذج مؤسساتي حديث قائم على الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ويعتبر ملف العقار من أكثر الملفات حساسية في الأقاليم الجنوبية، بالنظر إلى ارتباطه التاريخي بالبنية القبلية والاجتماعية، فضلا عن قيمته الاقتصادية والاستراتيجية، خاصة مع الطفرة العمرانية والاستثمارية التي تعرفها المنطقة. ولهذا، فإن أي اختلالات أو شبهات مرتبطة بتدبير العقار تثير اهتماما واسعا، لأنها ترتبط بشكل مباشر بثقة المواطنين في المؤسسات وبصورة الدولة في المنطقة.
ويرى مراقبون أن الدولة المغربية أظهرت خلال السنوات الأخيرة إرادة واضحة لتعزيز آليات الرقابة والمحاسبة في الأقاليم الجنوبية، من خلال تقوية دور المجالس الجهوية للحسابات، وتوسيع صلاحيات مؤسسات الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة بغض النظر عن المواقع أو النفوذ المحلي.
كما أن المتابعات القضائية والإدارية التي طالت عددا من المنتخبين والمسؤولين في مناطق مختلفة من المغرب تعكس توجها عاما نحو ترسيخ دولة القانون والمؤسسات، وهو ما يجعل الأقاليم الجنوبية بدورها معنية بهذا المسار الإصلاحي الذي يهدف إلى تكريس الشفافية ومحاربة كل أشكال الريع واستغلال النفوذ.
وفي المقابل، يرى البعض أن الانتقال من منطق الولاءات التقليدية إلى منطق المؤسسات لا يمكن أن يتم بشكل فجائي، بالنظر إلى الخصوصيات الاجتماعية والتاريخية للمنطقة، حيث ما تزال البنية القبلية تلعب دورا مهما في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وهو ما يفرض اعتماد مقاربة متوازنة تراعي الاستقرار الاجتماعي دون التفريط في مبادئ الحكامة الجيدة.
لكن رغم هذه الاعتبارات، فإن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في بناء نموذج تنموي ومؤسساتي قادر على مواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها الصحراء المغربية، خاصة في ظل النجاحات الدبلوماسية التي حققها المغرب في ملف الوحدة الترابية، والدعم الدولي المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها حلا واقعيا وذا مصداقية للنزاع المفتعل حول الصحراء.
ويفرض هذا السياق الجديد، بحسب متابعين، تعزيز صورة الأقاليم الجنوبية كنموذج للحكامة الحديثة والتنمية والاستقرار، وهو ما يقتضي تجاوز كل الممارسات التي قد تسيء إلى هذا المسار أو تعيد إنتاج منطق الامتيازات والنفوذ غير المشروع.
كما أن نجاح مشروع الحكم الذاتي يرتبط بشكل وثيق بوجود مؤسسات قوية وشفافة تحظى بثقة المواطنين، وقادرة على تدبير الشأن المحلي وفق قواعد الديمقراطية والمحاسبة، بعيدا عن أي هيمنة للعلاقات الشخصية أو الحسابات الضيقة.
ويؤكد عدد من الباحثين في قضايا الحكامة والتنمية الترابية أن الأقاليم الجنوبية تتوفر اليوم على إمكانيات كبيرة لتكون نموذجا وطنيا وإفريقيا في التنمية والاستثمار، بفضل المشاريع الكبرى التي أطلقتها الدولة، والموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة، والانفتاح المتزايد على العمق الإفريقي، غير أن تحقيق هذا الطموح يظل رهينا بترسيخ ثقافة المؤسسات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية دور النخب السياسية والاقتصادية المحلية، التي أصبحت مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتقديم نموذج جديد في التدبير يقوم على الكفاءة والنزاهة وخدمة المصلحة العامة، بدل إعادة إنتاج أساليب تقليدية تقوم على الولاءات والامتيازات.
كما تلعب وسائل الإعلام والمجتمع المدني دورا محوريا في مواكبة هذا التحول، من خلال تعزيز ثقافة المساءلة والشفافية، وكشف الاختلالات والدفاع عن الحق في المعلومة، بما يساهم في حماية المكتسبات التنموية والمؤسساتية التي تحققت في المنطقة.
وفي المحصلة، يبدو أن الأقاليم الجنوبية للمملكة تقف اليوم عند مفترق طرق حاسم بين منطقين مختلفين: منطق تقليدي قائم على النفوذ والولاءات والامتيازات، ومنطق حديث يقوم على المؤسسات والكفاءة والمحاسبة. وبين هذين الخيارين، تراهن الدولة المغربية على ترسيخ نموذج جديد يجعل من الصحراء فضاء للتنمية والاستقرار والحكامة الجيدة، في انسجام مع التحولات الوطنية والدولية ومع الرؤية الاستراتيجية للمملكة تجاه مستقبل أقاليمها الجنوبية.
ويبقى التحدي الأكبر هو قدرة مختلف الفاعلين السياسيين والإداريين والاقتصاديين على الانخراط الفعلي في هذا التحول، وتغليب منطق الدولة والمؤسسات على أي اعتبارات أخرى، بما يضمن بناء نموذج تنموي وديمقراطي قوي يعزز مكانة الصحراء المغربية كقاطرة للتنمية والاستقرار في المنطقة.