الانتفاضة
في سابقة هي الأولى من نوعها على مستوى القارة الإفريقية، تحتضن مدينة مراكش، فعاليات الدورة العاشرة للمؤتمر الدولي حول حقوق الإنسان وقوانين الانتخابات، والتي تتمحور هذه السنة، حول موضوع: “الانتخابات وحقوق الإنسان في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي”.
ويشكل هذا المؤتمر، محطة دولية لمناقشة التحولات التي يشهدها العالم، في ظل التطور الرقمي المتسارع، وانعكاساته على الحقوق والحريات والمسارات الانتخابية، كما تأتي هذه الدورة، التي تُنظم لأول مرة بإحدى الدول الإفريقية، في خطوة تعكس الحضور المتزايد للمغرب، في النقاشات الدولية المرتبطة بحقوق الإنسان والديمقراطية.وقد جاءت الكلمة الإفتتاحية، لرئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان، آمنة بوعياش عقب هذا المؤتمر الدولي كما يلي:
السيدات والسادة
الحضور الكرام
أود، في مستهل هذا المؤتمر الدولي، أن أتوقف أولا عند جوهر لقائنا اليوم، في سياقاته وأسئلته الكبرى…
موضوع يحظى براهنية كبيرة ومتزايدة
مكان برمزية خاصة…
وتحولات تضع ديمقراطياتنا أمام اختبار بنيوي غير مسبوق… ليكون الرهان رهانا مستقبليا وإن لم أقل وجوديا.
اليوم نجتمع بالمدينة الحمراء، مراكش الحاضرة، بكامل رمزيتها التاريخية، عاصمة كانت ولا تزال وستبقى دوما للتلاقح وتداول الأفكار والتفاعل بين الثقافات والحضارات.
اختيار مراكش لاحتضان هذا النقاش لم يكن اختيارا اعتباطيا باستحضار كل هذا..
وبالنظر أيضا لما يحمله موضوعنا من رهانات مرتبطة بمستقبل المجال والنقاش العمومي، وبشروط ممارسة الحقوق والحريات الأساسية في عالم يعرف تحولات سريعة ومتسارعة وعميقة.
السيدات والسادة
الحضور الكرام
نقاشنا اليوم لا يتعلق فقط بتقاطع التكنولوجيا والفضاءات الرقمية مع العمليات الانتخابية، بل يلامس في عمقه إحدى القضايا المركزية في الفكر الديمقراطي المعاصر… كيف يمكن حماية الحقوق والحريات الأساسية وتحصين العمليات الانتخابية الديمقراطية في زمن أصبحت فيه التكنولوجيا الرقمية تعيد تشكيل المجال العمومي، سلبا أو إيجابا، وتؤثر بشكل مباشر وكبير في شروط المشاركة السياسية وتكوين الإرادة الجماعية؟
فالانتخابات ليست فقط آلية إجرائية لتداول السلطة والمشاركة في إدارة الشؤون العامة، بل هي في جوهرها حق دستوري وكوني يرتبط ارتباطاً وثيقا بمجموعة من حقوق الإنسان الدستورية والكونيّة الجوهرية الأخرى…، من حق الأفراد في التصويت والترشح، إلى الحرية المطلقة في الرأي وحرية الاختيار، وحرية التعبير، والمشاركة في تدبير الشأن العام، والمساواة في الولوج إلى الفضاء العمومي والمعلومة…. ومن ثم، فإن أي تحول يمس شروط النقاش العمومي، أو يؤثر في تشكيل الرأي العام بشكل ملتبس او احتيالي، أو يعيد رسم العلاقة بين المواطن والمعلومة، يصبح بالضرورة تحولا يمس البنية الحقوقية للممارسة الديمقراطية نفسها.
السيدات والسادة
الحضور الكرام
في تاريخ الإنسانية، برزت لحظات شكلت منعطفات حاسمة. من اكتشاف النار، إلى اختراع العجلة، وتسخير الكهرباء… كلها تحولات غيرت مسار الحضارة الإنسانية وأعادت تشكيل التاريخ بشكل عميق.
اليوم، نقف في زمننا هذا أمام لحظة جديدة قد تكون مفصلية وحاسمة، في ظل تسارع موجة غير مسبوقة، للتكنولوجيات الناشئة والمتقدمة ونظم الذكاء الاصطناعي، بما تحمله من إمكانيات هائلة لتحويل المجتمعات وإعادة رسم ملامح المستقبل…
لقد أصبحت التكنولوجيات الرقمية والذكاء الاصطناعي جزء لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية.
تغير طرق التواصل والعمل والولوج للخدمات والمعلومة وتؤثر بشكل متزايد في كيفية مشاركتنا في الحياة العامة وفي النقاش العمومي.
لا شك أن هذه التحولات تتيح فرصا غير مسبوقة لتعزيز الحقوق والحريات وفعليتها، من خلال توسيع الولوج إلى المعلومة، وتحسين الخدمات العمومية، وتيسير المشاركة، وفتح إمكانيات جديدة للتفاعل المدني والمؤسساتي.
كما يمكن لهذه الفضاءات والنظم أن تولد أدوات مهمة لدعم الشفافية، بشكل عام والشفافية الانتخابية بشكل خاص، فضلا عن تطوير آليات الرصد والتقييم، وتعزيز فعالية السياسات العمومية، بشكل أسرع وأقل تكلفة وأكثر نجاعة…
لكن، في المقابل، فإن هذه التحولات تطرح تحديات عميقة ومعقدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بحماية حرية الاختيار، وضمان نزاهة النقاش العمومي، وصون الثقة داخل المجتمعات الديمقراطية. فالفضاءات الرقمية لم تعد فضاءات للتواصل، بل امتدادا حقيقيا للفضاء العام، إن لم تكن الفضاء العام بامتياز… تتشكل داخله المواقف والتصورات والاختيارات الجماعية.
غير أن هذه الفضاءات لا تخضع دائما لنفس القواعد والمرجعيات التي تؤطر المجال العمومي في صيغته التقليدية. لقد انتقل جزء كبير من النقاش العمومي إلى فضاءات رقمية قد تتحكم في تدفق المعلومات داخلها خوارزميات ونظم متطورة، معقدة، غير مرئية وقد تكون غير شفافة في كثير من الأحيان… خوارزميات ونظم تحدد ما نراه، وتختار ما نقرأه، وما نتفاعل معه، وتؤثر بشكل متزايد في العلاقة بين المواطن والمعلومة، وبين المواطن والفضاء العام.
ونتيجة لذلك، نشهد اليوم أشكالا متسارعة من تفكك المجال العمومي المشترك، وانتقالا نحو فضاءات رقمية، تتعايش أحيانا دون أن تتقاطع، وتنتج سرديات متباينة تفتقر إلى مرجعيات مشتركة.
ولابد في هذا السياق أن أتوقف عند التضليل والمعلومات المضللة، التي أعتبرها آفة هذا العصر، لا تؤثر فقط في الحق في الوصول إلى المعلومة والحق المطلق في الرأي، بل تمس أيضا جوهر وفلسفة العمليات الانتخابية وبحرية الاختيار، وبسلامة النقاش العمومي، وبالثقة الضرورية التي تقوم عليها المؤسسات الديمقراطية، خصوصا عندما تتحول الفضاءات الرقمية إلى مجال لإعادة إنتاج الخوف والاستقطاب والتلاعب بالوعي الجماعي والتأثير العابر للحدود… وهي جميعها تحديات حقيقية مترابطة أمام الديمقراطيات المعاصرة، خصوصا في الفترات الانتخابية، حيث تصبح الثقة في المعلومة وفي المؤسسات وفي العملية الانتخابية نفسها العنصر الحاسم والمحدد.
وإذا كانت الثورة الرقمية قد أعادت رسم شروط تداول الخطاب العمومي، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل اليوم تحولا نوعيا أكثر عمقا، بما يوفره من إمكانيات غير مسبوقة لإنتاج المحتوى وتوجيهه وتضخيمه… بشكل أسرع وبكلفة أقل وبنجاعة أكبر، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
لقد أصبح بالاستعانة بهذه النظم من الصعب أحيانا التمييز بين الحقيقي والمفبرك، وبين المعلومة الصحيحة والمعلومة المضللة، داخل فضاءات رقمية تُعيد الخوارزميات والنظم فيها ترتيب أولويات الظهور والانتشار وفق منطق التفاعل والإثارة وemotions التي تستخدم ضمن آليات الإنتاج، وليس وفق معايير الدقة والموثوقية، الأمر الذي يمنح المعلومات المضللة قابلية أكبر للانتشار والتأثير، وبسرعة تفوق أحيانا قدرة المجتمعات والمؤسسات على التحقق والتصحيح، في ظل تواصل ضعف ثقافة التحقق من المعلومة قبل المشاركة! خاصة اليوم في ظل التطور المتسارع لتقنيات التزييف العميق، والتوليد الآلي للمحتويات، والاستهداف الدقيق للرأي العام، لأهداف سياسية أو انتخابية أو ايديولوجية أو حتى تجارية… داخل فضاءات باتت تتيح أيضا لفاعلين خارجيين أفرادا أو حتى شبكات غير نظامية إمكانيات كبيرة للتضليل والتأثير في النقاشات العمومية الوطنية والتأثير في المسارات الانتخابية ذاتها وأحيانا تشويه مصداقية أو نتائج الانتخابات.
السيدات والسادة
الحضور الكرام
لا يتعلق الأمر هنا برفض التكنولوجيا أو الخوف من التحول الرقمي، أو شيطنتها، بل بضرورة التفكير الجماعي في شروط الحكامة الديمقراطية لهذه التحولات، وفي الكيفية التي يمكن من خلالها ضمان بقاء الإنسان، وحقوقه، وحرياته، في قلب هذه الديناميات الجديدة، من التصميم إلى التكوين ومن الاستخدام إلى تقييم الأثر.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في مقاومة الذكاء الاصطناعي والفضاءات الرقمية، بل في القدرة على تأطير نظمه ضمن أفق حقوقي واضح، يضمن الشفافية والمساءلة وعدم التمييز، ويحمي حرية الاختيار واستقلالية الأفراد.
هذه التحولات تضع الفاعلين المؤسساتيين والحقوقيين أمام مسؤوليات جديدة وتحد غير مسبوق مرتبط بحماية شروط المشاركة السياسية الحرة في سياق يتم فيه تشكيل الوعي الجماعي عبر نظم معقدة وغير شفافة، داخل فضاءات مرتبطة بمخاطر الاستقطاب واختزال المواقف في ثنائيات متضادة وتحويل القضايا العمومية إلى سرديات مبسطة. مشحونة بالانفعالات.
إننا في المجلس الوطني لحقوق الإنسان، باعتبارنا مؤسسة تترأس اعتماد الملاحظين وتقول بملاحظة الانتخابات، انكببنا على فهم التحولات وإدماجها ضمن رؤية حقوقية ومؤسساتية واضحة ومتوازنة. ولقد شكلت محطة انتخابات 2021 لحظة دالة في هذا المسار، من خلال إدماج عمليات تحليل الخطاب الرقمي وتتبع ديناميات انتشار المعلومات وفهم أنماط التأثير داخل الفضاءات الرقمية، وتتبع التفاعل على شبكات التواصل الاجتماعي ورصد ديناميات المشاركة…
والأكيد أننا سنواصل جهودنا الحضور الكرام، خلال الانتخابات التشريعية 2026 من أجل تجويد ملاحظتنا للانتخابات، بتطوير آليات التدقيق وتعزيز قدرات الملاحظين بما فيها رصد المؤشرات المبكرة للمخاطر وتحليل المعطيات واستثمارها بشكل منهجي لتحسين فعالية التدخلات والرصد.
السيدات والسادة،
الحضور الكرام
إن النقاش الذي نخوض فيه اليوم لا يهم فقط جوانب تقنية أو قانونية، بقدر ما يتعلق في العمق بمستقبل الديمقراطية ذاتها، وبقدرة مجتمعاتنا على الحفاظ على فضاءات عمومية، رقمية او غير رقمية، تعددية، حرة، وآمنة، في ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة.
من هذا المنطلق بالذات، نقترح ان نسدل الستار على المؤتمر بوثيقة ختامية، تكون مرجعا لإحداث فضاء منتظم للحوار وتبادل الخبرات والتفكير الجماعي بين الفاعلين والباحثين والمؤسسات من مختلف دول الجنوب العالمي. وندعو أن يكون هذا الفضاء إطارا للنقاش والتلاقي وتطوير مقاربات مشتركة قادرة على مواكبة هذه التحولات المتسارعة من منظور حقوقي.
الرهان اليوم أن ننجح جماعيا في ضمان ألا تكون التكنولوجيات الناشئة والفضاءات الرقمية عاملا لإضعاف الديمقراطية أو تقويض الثقة المجتمعية أو المس بالحقوق والحريات، بل تكون أداة لتعزيز المشاركة والحرية والعدالة.
في هذا الأفق، تظل مسؤوليتنا المشتركة هي العمل على بناء حكامة رقمية وتكنولوجية ديمقراطية، تجعل الإنسان في صلب التحول التكنولوجي، وتحافظ على قيم الحرية والشفافية والمساءلة والحقوق داخل المجال العمومي، مهما تغيرت أدواته وأشكاله وفضاءاته.
شكرا لكم