الانتفاضة // أحمد الميداوي
في ظل تزايد حالات التذمر، والارتفاع المهول في كلفة المعيشة، واتساع الفوارق الاجتماعية، يتعزز شعور متنامٍ لدى المواطنين بأن الوعود الانتخابية السابقة لم تُترجم إلى نتائج ملموسة. كل هذه العوامل تصب في اتجاه ما يُعرف بالتصويت العقابي، الذي قد يكون العنصر الغالب في انتخابات 2026، بما يعني أن الضغط الشعبي سيتجه أساسا نحو حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره قائد الأغلبية الحكومية.
ومن فرط ضعف الثقة في الأحزاب ككل، قد يتجه هذا التصويت العقابي إلى ما هو أبعد، أي العزوف عن التصويت، كنوع من العقاب الجماعي للعملية السياسية برمتها. ومن هنا، يتعين على معظم الأحزاب تغيير وجوهها وتقديم بدائل سياسية مقنعة، بدل الاستمرار في إعادة تدوير نفس النخب بأقنعة مختلفة، إذ سئمت القاعدة الانتخابية المغربية من تكرار نفس الأسماء ونفس الوعود.
فقد يطال التصويت العقابي مرة أخرى حزب العدالة والتنمية، الذي حوّلته انتخابات شتنبر 2021 إلى رقم محدود التأثير في المشهد السياسي المغربي. وقد يتعرض لعقاب جديد نتيجة تداخل عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وعقائدية، إلى جانب إصراره على تسويق خطاب ديني، تختلف حوله التقديرات بحسب الرؤية الإيديولوجية، والتي أضفت عليه لدى البعض طابع التنظيم الإخواني الذي مُني بنكاسات في عدة دول عربية.
كما قد يمتد هذا النفور إلى عدد من الأحزاب اليمينية، التي أظهرت، مع تعاقب الاستحقاقات التشريعية والجماعية، محدودية في القدرة على الحشد والإقناع. وإلى جانبها، تواجه بعض الأحزاب الاشتراكية ذات الخط المتشدد، القائم على منطق التصادم الإيديولوجي، صعوبات مماثلة، خاصة في ظل التحولات التي يعرفها المجتمع، والتي تتطلب قدرا أكبر من المرونة والواقعية السياسية.
أما إذا أُضيف حزب التقدم والاشتراكية إلى قائمة الأحزاب التي قد تتأثر بالتصويت العقابي، بسبب سقف تطلعاته المرتفع مقارنة بامتداده التنظيمي، فقد تتجه بعض الأصوات نحو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الذي يبدو في طور إعادة تموقع، من خلال محاولة تحقيق توازن بين الاشتراكية والليبرالية الاجتماعية، بما يواكب تحولات المجتمع وتحديات العولمة.
في المقابل، يبقى حزب الأصالة والمعاصرة مرشحا للاستفادة من هذا السياق، خاصة مع الحديث عن عودة محتملة لفؤاد عالي الهمة إلى الواجهة الرمزية. وقد تُفهم هذه العودة، في نظر عدد من المتتبعين وقياديي الحزب، كإحياء للدور الذي أُسس عليه الحزب، كقوة سياسية وسطية قادرة على لعب أدوار متقدمة في المشهد السياسي.
كما قد تسهم هذه العودة في إعادة ترتيب البيت الداخلي للحزب، وتوحيد صفوفه بعد مرحلة من التوترات والصراعات الداخلية حول المواقع القيادية.
أما في سياق التحالفات وبناء التوازنات، فقد يجد حزب الأصالة والمعاصرة، في حال تصدره للاستحقاقات المقبلة، في الاتحاد الاشتراكي شريكا سياسيا مناسبا، بالنظر إلى رصيده التاريخي ورمزيته، وقدرته على لعب دور فاعل دون السعي بالضرورة إلى صدارة المشهد الحكومي.
وعلى ما يبدو، فإن هذا التحالف قابل للتصور، خاصة في ظل تقارب محتمل بين توجهات الوسطية الاجتماعية التي يمثلها حزب الأصالة والمعاصرة، ومحاولات الاتحاد الاشتراكي بلورة نموذج يجمع بين الاشتراكية والليبرالية الاجتماعية، بما يعزز واقعيته السياسية وقربه من انشغالات المواطنين.
كما قد يتعزز هذا التحالف بانضمام حزب الاستقلال، بهدف تحقيق أغلبية مريحة، في إطار تكتل يجمع بين قوى سياسية ذات امتداد تاريخي وتنظيمي. فحزب الاستقلال يتميز بشبكته التنظيمية الواسعة، وحضوره الراسخ، إلى جانب الأصالة والمعاصرة بتوجهه الوسطي، والاتحاد الاشتراكي برمزيته الديمقراطية.
فإذا ما تحقق هذا السيناريو، قد يقود هذا التحالف المرحلة المقبلة دون هيمنة حزب واحد، في إطار توازن سياسي. ويرى بعض المتتبعين أن هذا السياق قد يدفع نحو طرح اسم فؤاد عالي الهمة لتولي رئاسة الحكومة، رغم أن هذا الاحتمال يظل محل نقاش، بالنظر إلى طبيعة موقعه الحالي ومسار الحياة السياسية في المغرب.
من جهة أخرى، يعتبر البعض هذه السيناريوهات مجرد فرضيات، بسبب التباينات الإيديولوجية بين الأحزاب المعنية، غير أن منطق السياسة الحديثة يبين أن التحالفات لا تُبنى فقط على التقارب الفكري، بل أيضا على توازنات المصالح والأرقام، كما تؤكد تجارب سياسية متعددة أن ما يبدو مستبعدا قبل الانتخابات قد يصبح ممكنا بعدها، في ظل متغيرات الواقع السياسي.
وعليه، فإن تحقق مثل هذا السيناريو يظل رهينا بمدى قوة التصويت العقابي ضد الحزب الحاكم، وتراجع باقي الأحزاب، إلى جانب قدرة الأطراف المعنية على تقديم وجوه انتخابية مقنعة. وإذا توفرت هذه الشروط، فقد يشهد المشهد السياسي عودة قطب قوي يقوده حزب الأصالة والمعاصرة، وربما ميلاد حكومة جديدة تقود مرحلة الاستعداد لاستحقاقات كبرى، من بينها مونديال 2030.
التعليقات مغلقة.