الانتفاضة // بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب
جاء في حلقة على اليوتيوب أن الأستاذ حميد المهداوي قدم سردية اتهامية في مواجهة الدكتور خالد الحري، مستندا إلى ما اعتبره معطيات صحفية من شأنها أن تزرع الشك في ذهن القاضي، وهو مدخل يختزل في ذاته إشكالا عميقا يتجاوز الواقعة إلى البنية الذهنية التي تحكم هذا النوع من الخطاب، إذ أن تحويل العمل الصحفي إلى أداة لبث الشك داخل الحقل القضائي لا يمكن قراءته إلا باعتباره انزلاقا من وظيفة الإخبار إلى ممارسة التأثير، ومن نقل الوقائع إلى إعادة تشكيلها وفق أفق ذاتي مشحون بالتوتر.
فالخطاب كما يقول ميشيل فوكو ليس مجرد أداة لنقل الحقيقة، بل هو سلطة تنتج الحقيقة وتعيد توزيعها داخل المجتمع، ومن هنا تتبدى خطورة ما ورد في تلك الحلقة، حيث لم يكن الأمر مجرد عرض لمعطيات، بل بناء سردي يسعى إلى إضفاء طابع الشبهة على شخص الدكتور خالد الحري، عبر توظيف واقعة وجود عقد يجمع اسمه باسم شخص يدعى مصطفى حيم، وهي واقعة في ذاتها لا تحمل أي دلالة قانونية أو أخلاقية سالبة، مادام أن التعاقد فعل مشروع، بل من صميم الحرية المدنية التي لا تقيد إلا بنص.
غير أن هذا المعطى تم إخراجه من سياقه وإعادة تركيبه داخل خطاب إيحائي، يحاول أن يجعل من الاسم قرينة، ومن العلاقة المفترضة شبهة وهو ما يعكس ما يسميه بيير بورديو بـالعنف الرمزي، حيث يتم فرض معنى معين على الوقائع دون امتلاك سلطة البرهان، فيتحول الخطاب إلى أداة لإنتاج الوصم الاجتماعي، لا إلى وسيلة لفهم الواقع.
والأخطر أن هذا البناء الخطابي تم تدعيمه بسردية أخرى تتعلق بادعاء وجود نفوذ لشخص داخل المؤسسة السجنية، وقدرته حسب الرواية المقدمة على التأثير في قرارات تأديبية عبر تدخلات هاتفية، بل والقول بأن إدراج اسمه في بحث سابق كان كافيا لإغلاق ملف تأديبي كان يهم المهداوي نفسه، وهنا يتجاوز الخطاب حدود الشخصنة إلى المساس ببنية المؤسسات، إذ يتم تقديم صورة عن مؤسسة سجنية خاضعة لنفوذ خفي دون تقديم دليل، وهو ما يحول الادعاء إلى شكل من أشكال الخيال الاجتماعي الذي يحل محل الوقائع.
وفي هذا السياق يستحضر قول إميل دوركايم بأن الوقائع الاجتماعية يجب أن تدرس كأشياء، أي بمعزل عن الانطباعات والميولات الذاتية، وهو ما يغيب بشكل جلي في هذه الحالة، حيث يتم التعامل مع الوقائع لا باعتبارها موضوعا للتحليل، بل مادة لإعادة التشكيل وفق منطق الإثارة.
كما أن إعادة استحضار شخص تمت متابعته وإدانته ومحاولة ربطه بالدكتور خالد الحري، رغم أن البحث القضائي لم يثبت أي علاقة ذات طابع جرمي بينهما، يكشف عن نزوع نحو ما يسميه إرفينغ غوفمان بـوصم الهوية، حيث يتم إلصاق الفرد بشبكة من العلاقات التي تخلق حوله هالة من الشك، حتى وإن كانت تلك العلاقات في أصلها مشروعة أو غير ذات صلة بالفعل الجرمي.
وهذا النمط من الخطاب يعكس ما أشار إليه فريدريك نيتشه حين تحدث عن إرادة القوة التي تتجلى في محاولة فرض تأويل معين للواقع حتى في غياب الحقيقة، حيث يصبح الخطاب أداة للهيمنة الرمزية، لا وسيلة للبحث عن الصدق، فبدل أن يتم تقديم المعطيات في حياد، يتم توجيهها نحو غاية محددة وهي إضعاف صورة الآخر، وبناء تمثلات سلبية عنه في وعي المتلقي.
ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يمتد إلى محاولة ربط الدكتور خالد الحري بشركة لا علاقة له بها، في استمرار لنفس المنهج القائم على التوسيع الإيحائي، حيث يتم خلق شبكة من العلاقات المفترضة دون سند واقعي، وهو ما يعكس ما يسميه يورغن هابرماس بـتشويه الفعل التواصلي، حين يتحول التواصل من فضاء للحوار العقلاني إلى مجال للتلاعب الاستراتيجي بالمعاني.
إن هذا الخطاب في مجمله، لا يمكن فصله عن بنية نفسية واجتماعية تتغذى على التوتر والصراع، حيث يصبح الآخر موضوعا للاتهام لا شريكا في الحقيقة، وتتحول الوقائع إلى أدوات في معركة رمزية، وهو ما يجعل عنصر حسن النية غائبا لصالح ما يمكن تسميته بـالنية العدائية المؤطرة خطابيا، حيث يتم توظيف كل معطى مهما كان بريئا، في اتجاه واحد: إنتاج الشبهة.
وفي مقابل ذلك يظل موقف الدكتور خالد الحري، من منظور قانوني واجتماعي، محصنا بقاعدة أساسية هي أن الأصل في الأفعال الإباحة، وأن عبء الإثبات يقع على من يدعيه وأن القضاء، باعتباره الجهة الوحيدة المخول لها تقييم الوقائع، لم يثبت في أي مرحلة وجود علاقة مشبوهة تستوجب المساءلة، وهو ما يجعل كل محاولة لإعادة إنتاج الاتهام خارج هذا الإطار، مجرد خطاب فاقد للسند.
وهنا يستحضر قول مونتسكيو إن الحرية هي الحق في أن نفعل كل ما يسمح به القانون، وهي قاعدة تنطبق تماما على واقعة التعاقد التي تم تضخيمها، إذ لا يمكن تحويل فعل مشروع إلى شبهة، إلا في إطار خطاب يفتقر إلى التوازن ويتغذى على الرغبة في الإدانة.
إن ما ورد في تلك الحلقة لا يعكس فقط خلافا في وجهات النظر، بل يكشف عن أزمة أعمق في الخطاب الإعلامي حين ينفصل عن قواعده المهنية، ويتحول إلى فضاء لإنتاج المعنى على حساب الحقيقة، حيث تصبح الوقائع مجرد مادة خام يعاد تشكيلها وفق منطق الصراع لا وفق مقتضيات العقل، وهو ما يجعل الدفاع عن الدكتور خالد الحري في هذا السياق، دفاعا عن مبدأ قبل أن يكون دفاعا عن شخص، وهو مبدأ أن الحقيقة لا تبنى بالإيحاء ولا تستخرج من الظلال، بل تؤسس على الدليل، وتحاط بضمانات النزاهة والموضوعية.
التعليقات مغلقة.