الانتفاضة / الدكتور زكرياء بوسحاب
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية وتعيد فيه التكنولوجيا تشكيل أنماط العيش والعلاقات الإنسانية، لم تعد الأسرة بمنأى عن هذه التحولات، بل أصبحت في قلبها، تتأثر بها وتؤثر فيها. وفي هذا السياق، قدم الدكتور والباحث الأكاديمي في قضايا الأسرة المعاصرة، زكرياء بوسحاب، مداخلة علمية متميزة ضمن فعاليات الندوة الوطنية الموسومة بـ”الأسرة وبناء القيم في ظل التحولات المعاصرة”، بعنوان: “التحول الوظيفي للأسرة في ضوء الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي”، عرض فيها رؤية تحليلية واستراتيجية متكاملة لمستقبل الأسرة.
وقد انصبت مداخلته على تحليل التحولات الوظيفية التي مست مؤسسة الأسرة في العصر الرقمي، مبرزًا أن الأسرة لم تعد تؤدي وظائفها التقليدية بنفس الصورة السابقة، بعدما انتقلت بعض وظائف التنشئة والتوجيه والتعليم والتأثير إلى الفضاء الرقمي، مما أدى إلى إعادة تشكيل الأدوار داخل الأسرة، وظهور توازنات جديدة بين سلطة الأسرة وسلطة الوسائط الرقمية.
وتوقف الباحث عند عدد من الإشكالات التي أفرزها هذا التحول، من أبرزها اتساع الفجوة الرقمية بين الآباء والأبناء، وتراجع تأثير القدوة الحية داخل الأسرة مقابل صعود القدوة الافتراضية، إضافة إلى اختلال التوازن بين الواقع المعيش والواقع الرقمي، وما نتج عن ذلك من ضغوط نفسية واجتماعية وقيمية.

وأكد الدكتور بوسحاب أن التحدي الذي تواجهه الأسرة اليوم ليس تحديًا تقنيًا بقدر ما هو تحدٍّ تربوي وقيمي، في ظل التأثير المتزايد للخوارزميات الرقمية في توجيه السلوك والاختيارات وأنماط الاستهلاك، مشيرًا إلى تنامي النزعة الاستهلاكية وبروز ما أسماه بـ”الجراحة التجميلية الرقمية” أو ثقافة “الفلتر”، حيث لم يعد الأمر مرتبطًا فقط بتجميل الصورة، بل بتجميل نمط الحياة وعرضه في صورة مثالية منفصلة عن الواقع.
وفي مقابل هذه التحديات، لم تكتفِ المداخلة بالتشخيص، بل قدمت حلولًا عملية ضمن ما سماه الباحث استراتيجية الأسرة الآمنة، والتي تقوم على مجموعة من المداخل الأساسية، أهمها: المصاحبة العاطفية والتربوية للأبناء بدل المراقبة الصارمة، وترسيخ التربية الرقمية القائمة على الوعي والنقد لا المنع، وتبني استراتيجية “التمنيع بدل المنع” كمدخل تربوي وقائي، وتعزيز التكامل بين الأسرة والمدرسة والإعلام ومختلف مؤسسات التنشئة، واعتماد الوسائل الودية في حل النزاعات الأسرية، وترسيخ ثقافة المكاشفة والحوار بين الزوجين، مع ضرورة تجنب المقارنات السلبية التي تخلق ضغطًا نفسيًا وتؤثر على الاستقرار العاطفي داخل الأسرة.
كما شدد على أن الإشباع العاطفي للأطفال يمثل خط الدفاع الأول لحمايتهم من الانحرافات الرقمية، لأن الطفل الذي يجد الحب والاهتمام داخل أسرته لا يبحث عنه في العالم الافتراضي.
وفي ختام مداخلته، أكد الدكتور بوسحاب أن الوسائط الرقمية والذكاء الاصطناعي ليست خطرًا في حد ذاتها، وإنما الخطر يكمن في غياب التوجيه، مشيرًا إلى أن الرهان الحقيقي اليوم هو حسن توظيف التكنولوجيا في خدمة القيم، لا ترك القيم تحت رحمة التكنولوجيا، داعيًا إلى الانتقال من منطق مقاومة التحول الرقمي إلى منطق ترشيده وتوجيهه، بما يحفظ للأسرة أدوارها التربوية والقيمية، ويضمن استمرارها كمؤسسة لصناعة التماسك المجتمعي وبناء الإنسان.
وبذلك، قدمت هذه المداخلة تصورًا علميًا وعمليًا لما يمكن تسميته بـ”فقه الأسرة في العصر الرقمي”، وهو تصور يقوم على الفهم العميق للتحولات، والتعامل معها بوعي وتوازن، لا بالرفض ولا بالاستسلام.
التعليقات مغلقة.