إلى أين تسير بنا الاحداث؟

الانتفاضة

حاليّا، وسط معمعان الأحداث المتسارعة في العالم، حيث تتكاثر الخرائط فوق الطاولات كما تتكاثر الجراح في الجسد الواحد، وحيث تتشابك المصالح كما تتشابك الأعصاب في جسد مصاب بالحمّى، يبدو الكوكب كخشبة مسرح عملاقة تعاد عليها الأدوار نفسها بأزياء جديدة، وبخطابات أكثر فجاجة، وبأسلحة أشدّ فتكا، وبذاكرة مثقوبة لا تحتفظ إلا بما يخدم شهوة السيطرة…

روسيا تتحرّك ببطء الدبّ السيبيري، تستعيد سرديات القياصرة، وتستدعي أطياف الاتحاد السوفياتي من متاحف التاريخ، تحاول أن تعيد كتابة دورها في توازنات القوة، تستثمر في النوستالجيا الجيوسياسية، وتعيد تدوير خطاب العظمة الإمبراطورية، كأن الجغرافيا يمكن أن تُستعاد بالحنين، وكأن الخرائط القديمة تصلح لزمن الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة…

تركيا تمشي على حبل رفيع بين جمهوريات القرن الواحد والعشرين وأطلال السلطنة العثمانية، تستحضر أمجاد الباب العالي، وتستثمر في الذاكرة العثمانية بوصفها رأسمالا رمزيا وتنسج خطابا سياسيا مشبعا بعطر التاريخ، حيث تختلط الواقعية السياسية بالحنين الإمبراطوري، وتتحوّل الأناضول إلى جسر بين شرق لم يشفَ من جراحه وغرب لم يتخلّ عن أطماعه…

الصين، ببرود الحكيم الكونفوشيوسي، تبني إمبراطوريتها الجديدة بصمت المصانع، وبضجيج الموانئ، وبشبكات الحرير الرقمية، تستعيد روح التنين القديم في هيئة استثمارات، وممرات تجارية، وبنى تحتية عابرة للقارات، تمارس الهيمنة بلغة الأرقام، وتكتب نفوذها بحبر الاقتصاد، وتعيد تعريف القوة من خلال فائض الإنتاج وفائض الصبر…

إيران تحفر في طبقات التاريخ الفارسي، تستخرج من أرشيف الأخمينيين والساسانيين سردية المجد، وتعيد توظيفها في خطاب معاصر، تمزج فيه العقيدة بالسياسة، والجغرافيا بالعقيدة، وتحوّل المجال الحيوي إلى فضاء أيديولوجي، حيث تُدار المعارك بالوكلاء، وتُرسم الحدود بالدم، وتُبنى الإمبراطوريات على أنقاض الدول الهشّة…

الغرب يلبس عباءة روما القديمة، ويستعيد لغة الإمبراطورية البيزنطية، يتحدّث عن الديمقراطية بلغة الأساطيل، وعن حقوق الإنسان بلغة القواعد العسكرية، وعن القيم الكونية بلغة العقوبات الاقتصادية، يمارس وصايته على العالم كما كان الأباطرة يمارسون وصايتهم على الشعوب المقهورة، يغيّر الوجوه ويبقي على البنية، يبدّل الشعارات ويحتفظ بالجوهر الإمبراطوري…

أمريكا، تلك الدولة التي وُلدت من رحم المغامرة، تحاول أن تصنع لنفسها مجدا أسطوريا، مجدا بلا جذور تاريخية عميقة، مجدا يقوم على السينما، وعلى الدولار، وعلى حاملات الطائرات، مجدا يصوغ الوعي العالمي عبر الشاشات، ويعيد هندسة المخيال الجمعي، ويحوّل القالى اين تسير بنا الأحداث وة إلى عرض دائم في مسرح العالم…

إسـ..رائيل تمشي بخطى توراتية على أرض الواقع، تخلط النبوءة بالسياسة، والأسطورة بالجغرافيا، وتحوّل النصوص المقدسة إلى خرائط عسكرية، تسعى إلى تحقيق سردية “إسـ..رائيل الكبرى” الممتدّة من المحيط إلى الخليج، تمارس الاستيطان بوصفه عقيدة، والاقتلاع بوصفه استراتيجية، وتعيد كتابة المكان بلغة الجرافات…

وفي قلب هذا المشهد الكوني المشتعل، حيث تتصارع الإمبراطوريات على إرث العالم، وحيث تتزاحم المشاريع الكبرى على اقتسام النفوذ، وحيث تدار السياسة بلغة القوة العارية، يقف العرب في زاوية التاريخ، يتساءلون من أين سيأتون بالقمح وزيت المائدة، كيف سيؤمّنون الخبز لأطفالهم، وكيف سيواجهون مواسم الجفاف، وتقلبات الأسواق، وحروب الآخرين التي تُدار فوق رؤوسهم…

هنا تتجلّى المفارقة الوجودية بأقصى درجاتها. أمم تعيد بناء أمجادها فوق أنقاض الماضي، وأمة تبحث عن رغيف الخبز في أسواق العالم. قوى ترسم خرائط جديدة للنفوذ، وشعوب تعيد رسم قوائم المساعدات الغذائية. دول تتحدّث بلغة الفضاء والتيكنولوجيا ، وأوطان تتجادل حول أسعار الطحين…

هذا العالم يعيش اليوم حالة سيولة جيواستراتيجية، حالة اختلال في ميزان القوة، حالة ارتجاج حضاري، حيث تعود الإمبراطوريات في أثواب جديدة، وتُستعاد الأساطير في خطابات سياسية، وتعاد كتابة التاريخ بمدافع حديثة. نحن أمام عودة اللاوعي الإمبراطوري إلى واجهة السياسة الدولية، عودة منطق الغلبة، عودة شهوة السيطرة، عودة الحلم القديم بأن يكون العالم مزرعة خاصة للقوى الكبرى…

وفي هذا السياق، يتردّد صدى تشومسكي وهو يتأمّل الإنسان في لحظات الجنون الجمعي، ويرى كيف تتحوّل الشعوب إلى قطع شطرنج في يد الطغاة، وكيف يساق التاريخ نحو الكارثة باسم المجد. ويتقاطع هذا الصدى مع صوت عبد الله العروي وهو يفكّك بنية التأخر العربي، ويرى كيف تعيش الأمة في زمن غير زمنها، وفي سياق غير سياقها، وفي معركة لم تُهيّأ لها عدّتها…

العرب اليوم يعيشون حالة اغتراب حضاري، اغتراب عن منطق العصر، اغتراب عن شروط القوة، اغتراب عن أدوات السيادة. يعيشون في هامش النظام العالمي، يستهلكون ما يُنتج الآخرون، ويستوردون ما يزرعه الآخرون، ويقاتلون في حروب الآخرين، ويدفعون فواتير صراعات لم يكونوا يوما صانعيها…

السؤال لم يعد سياسيا فحسب ، بل أنثروبولوجيا، وجوديا، حضاريا. كيف تحوّلت أمة كانت يوما مركز العالم إلى هامشه. كيف انتقلنا من صناعة التاريخ إلى استهلاكه. كيف صرنا موضوعا في تقارير المؤسسات الدولية بعد أن كنّا فاعلين في رسم الجغرافيا…

العالم اليوم لا ينتظر المتأخرين، ولا يرحم المتردّدين، ولا يشفق على الضعفاء. التاريخ يكتب نفسه بلغة القوة، ومن لا يملك أدواتها يتحوّل إلى هامش في هوامش الكتب. وفي زمن الإمبراطوريات العائدة، وزمن الأساطير السياسية، وزمن الحروب الهجينة، يبقى السؤال العربي معلّقا في الهواء: من أين سنأتي بالقمح وزيت المائدة، ومن أين سنأتي بالسيادة، ومن أين سنأتي بالمستقبل…!

التعليقات مغلقة.