15 يناير… حين يتكلم المكان قبل الكلمات!

الانتفاضة // ✍ محمد الشندودي

دعت الحكومة اللجنة التقنية المكلفة بملف اصلاح انظمة التقاعد الى اجتماع يوم غد الخميس 15 يناير 2026، بمقر الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
قد يبدو الامر، في ظاهره، اجراء عاديا ضمن مسلسل الحوار الاجتماعي.

لكن، في العمق، نحن امام محطة محملة بالرمز والدلالة، تفتح اسئلة محرجة حول طبيعة الاصلاح المنتظر، وحدود الرؤية المؤطرة له، والاختيارات التي يجري اعدادها بهدوء… وربما بتواطؤ الصمت.
فاختيار هذا التاريخ، في مطلع سنة تقدم على انها مفصلية في مستقبل التقاعد، ليس بريئا.

كما ان اختيار مقر مؤسسة تدبيرية ذات طابع مالي وتقني لا يقل دلالة.
حين يفتح نقاش التقاعد داخل فضاء الحسابات والجداول الاكتوارية، فان الرسالة تكون واضحة، بل فجة احيانا:
الاصلاح يراد له ان يناقش بمنطق الارقام قبل منطق الحقوق، وبميزان التوازنات المالية قبل ميزان العدالة الاجتماعية!
هنا، لا يعود التقاعد مسارا لحياة كاملة من العطاء، بل يتحول الى ملف.
ولا تعود سنوات الخدمة رصيدا اخلاقيا واجتماعيا، بل مجرد معطى حسابي قابل لاعادة الضبط… صعودا او نزولا، حسب ما تقتضيه “الضرورة”.
هذا الاجتماع التقني، مهما قدم على انه تشخيصي او تمهيدي، يعكس توجها راسخا في تدبير هذا الورش: تضييق افق النقاش، وحصره في بدائل محدودة سلفا.
فبدل توسيع النقاش ليشمل سؤال النموذج الاجتماعي، يجري اختزاله في سؤال واحد:
كيف ننقذ الصناديق؟
لا: كيف ننقذ الكرامة ونضمن الاستدامة في ان واحد؟
والفرق هنا جوهري، بل مصيري، بين اصلاح يبنى على رؤية سياسية شاملة، واصلاح يدار كعملية محاسباتية باردة، بلا ذاكرة اجتماعية ولا حس تاريخي.
الاخطر في هذا المسار، انه يعيد تعريف التقاعد:
من حق اجتماعي… الى عبء مالي.
ومن استحقاق جماعي… الى معادلة تقنية.
في هذا السياق، تصبح الحلول الجاهزة اكثر اغراء:
رفع سن التقاعد!
زيادة الاقتطاعات!
اعادة النظر في مستوى المعاشات!
حلول قد ترضي الجداول على الورق، لكنها تتجاهل واقعا اجتماعيا قاسيا: تآكل القدرة الشرائية، ارتفاع كلفة العيش والعلاج، واتساع دائرة الهشاشة في صفوف فئات واسعة من المتقاعدين، مدنيين وعسكريين على حد سواء.
غير ان الاشكال الاعمق لا يكمن في الادوات المقترحة، بل في الفلسفة التي تحكمها.
فالتقاعد ليس نظام ادخار مؤجلا فحسب، بل تعبير عن عقد اخلاقي بين الدولة ومواطنيها:
سنوات العطاء تقابلها حماية وكرامة بعد الخدمة.
وحين يختزل هذا العقد في ارقام، تقوض الثقة، ويترسخ شعور جماعي بان الدولة تتنصل، تدريجيا، من التزاماتها الاجتماعية… باسم “الاصلاح”.
ان اصلاح انظمة التقاعد ليس قدرا تقنيا لا فكاك منه، بل خيار سياسي بامتياز.
خيار يعكس تصور الدولة لدورها الاجتماعي، ولمكانة الفئات التي بنت الادارة، والمدرسة، والمستشفى، وحمت الامن والاستقرار.
وكان يمكن لهذا الخيار ان يسلك طريقا اخر، اقل سهولة لكنه اكثر عدالة:
مساءلة الحكامة السابقة،
توسيع قاعدة المساهمين،
تحسين العدالة الجبائية،
وربط اصلاح التقاعد باصلاح اوسع لسوق الشغل والاجور.
من هنا، لا ينبغي ان يقرأ اجتماع 15 يناير كمحطة تقنية عابرة، بل كمؤشر سياسي واضح على الاتجاه الذي يراد لهذا الملف ان يسلكه.
اما اصلاح يوازن بين الاستدامة المالية والعدالة الاجتماعية، ويعيد الاعتبار للتقاعد كحق وكرامة…
واما حلقة اخرى في مسلسل نقل كلفة الاختلالات الى من ادوا واجبهم كاملا!
وفي هذا المفترق بالذات، يفرض السؤال نفسه، دون مواربة:
اي دولة اجتماعية نريد؟
دولة ترى في الحماية الاجتماعية استثمارا في الاستقرار والثقة؟
ام دولة تعتبرها عبئا يقلص كلما ضاقت الحسابات؟

التعليقات مغلقة.