سوق الجملة بشيشاوة: حلقة مفقودة في مواجهة الغلاء وإلاحتكار.

الانتفاضة/ بقلم : حسن بنسعود رئيس المركز المغربي لحقوق الإنسان بشيشاوة.

في ظل موجة الغلاء التي تثقل كاهل المواطن المغربي عموما والشيشاوي خصوصا، وتآكل القدرة الشرائية للأسر، يتجه النقاش العمومي في الغالب نحو الأسعار النهائية للمنتوجات الفلاحية، دون الغوص في الأسباب البنيوية التي تتحكم في مسار هذه الأسعار من الحقل إلى المستهلك.
ومن بين أهم هذه الأسباب، يبرز غياب سوق جملة منظم للمنتوجات الفلاحية بإقليم شيشاوة ،كحلقة مفقودة في منظومة التسويق، ما ينعكس سلبًا على الفلاح، والتاجر الصغير، والاقتصاد المحلي ككل.
بالنسبة للفلاح، خاصة الصغير والمتوسط، لا يشكل الإنتاج الفلاحي الإشكال الأكبر بقدر ما يشكل التسويق غير المضمون عائقًا حقيقيًا أمام الاستقرار والاستثمار. فغياب سوق جملة قريب ومنظم يجبر الفلاح على الارتهان لشبكة من الوسطاء، يفرضون عليه أسعارًا متدنية لا تعكس كلفة الإنتاج ولا حجم المجهود المبذول. هذا الوضع يدفع العديد من الفلاحين إلى العزوف عن إنتاج الخضر والفواكه، والاكتفاء بزراعات موسمية محدودة المردودية، أو حتى التخلي عن الأرض، ما يهدد استدامة الفلاحة المحلية.
أما على مستوى الاقتصاد المحلي، فإن غياب سوق الجملة يضعف الدينامية الاقتصادية للمجال، ويحول دون خلق قيمة مضافة حقيقية. فسوق الجملة ليس مجرد فضاء للبيع، بل هو بنية اقتصادية تُنشّط النقل، والتخزين، والخدمات اللوجستيكية، وتوفر فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، وتساهم في إدماج الفلاحين في الدورة الاقتصادية المحلية. كما يسمح هذا السوق بتثبيت جزء من الثروة داخل الإقليم بدل تسربها عبر قنوات مضاربية خارجية.
من جهة أخرى، يعاني التاجر الصغير بدوره من تعدد الوسطاء وارتفاع كلفة التزود. فالتاجر الذي يشتري سلعته بعد مرورها عبر أكثر من حلقة، يجد نفسه مضطرًا لرفع السعر النهائي، ليس بدافع الجشع، بل لتغطية التكاليف. وهنا تتغذى صورة نمطية ظالمة تُحمّل التاجر الصغير مسؤولية الغلاء، في حين أن الإشكال الحقيقي يكمن في غياب قنوات توزيع قصيرة وشفافة.
أما المواطن، الحلقة الأضعف في هذه السلسلة، فيدفع الثمن مضاعفًا: أسعار مرتفعة، وجودة غير مضمونة، وتذبذب في التزود. إن وجود سوق جملة منظم وشفاف من شأنه تقليص عدد الوسطاء، وتوضيح بنية الأسعار، وتحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب، بما يساهم بشكل مباشر في دعم القدرة الشرائية للمواطن، دون اللجوء إلى حلول ظرفية أو تدخلات ترقيعية.
وعليه، فإن إحداث سوق الجملة لا ينبغي أن يُنظر إليه كمشروع تقني أو استثماري معزول، بل كخيار سياسة عمومية محلية ذات بعد اجتماعي وتنموي. وهو ما يستدعي من السلطات الإقليمية والمنتخبة الإسراع بإخراج هذا المشروع إلى حيز الوجود، مع الحرص على أن يكون في متناول الفلاحين الصغار والمتوسطين،
منظمًا وشفافًا في الولوج والتسعير وخاضعًا لمراقبة تحد من الاحتكار والمضاربة ومرتبطًا بشبكة نقل وتخزين ملائمة.
إن تأخير إحداث سوق الجملة بإقليم شيشاوة ، رغم استعمال هذه الورقة في الحملات الانتخابية، يعني استمرار نزيف القدرة الشرائية، وتعميق هشاشة الفلاح والتاجر الصغير، وإدامة اقتصاد الريع والمضاربة. أما تسريع إخراجه إلى الوجود، فيمثل خطوة عملية نحو إعادة التوازن إلى السوق، وإنصاف المنتج والمستهلك، وبناء تنمية محلية أكثر عدالة واستدامة.

التعليقات مغلقة.