من “الوطن غفور رحيم” إلى خطاب الوحدة ل31 أكتوبر 2025، رؤية إنسانية وسياسية في مسار العودة إلى أرض الوطن

الانتفاضة  // د. الحسين بكار السباعي // محلل سياسي وخبير إستراتيجي

منذ اللحظة التي أطلق فيها المغرب ندائه الجامع “الوطن غفور رحيم”، بدأت ملامح تحول تاريخي يتشكل في صمت ثم يعلو صوته شيئا فشيئا داخل مخيمات تندوف وخارجها. لقد أدرك الصحراويون أن المشروع الإنفصالي الذي روج له منذ منتصف السبعينيات لم يكن سوى بناء متخيل، قائم على هندسة أيديولوجية صاغتها الجزائر لأغراض تتجاوز الإنسان، بينما ظل المغرب وحده يمارس سياسة الإحتضان والإنفتاح، ويوفر للعائدين مسارات إندماج تام داخل مؤسساته ومجتمعه. وهكذا تحولت عودة هؤلاء إلى شهادة حية على قوة الارتباط بالأصل، إذ أصبح كثير منهم اليوم، أسماء وازنة في الإدارة والمهن الحرة والهيئات السياسية والمجالس المنتخبة، بما يؤكد أن الوطن لا يستعيد أبناءه فحسب، بل يمنحهم دورا في بنائه.

لقد برز في قلب هذا المسار برنامج تبادل الزيارات العائلية الذي رعته الأمم المتحدة بين 2004 و 2014، والذي مثل أحد أعمق التجارب الإنسانية في تاريخ النزاعات المعاصرة. فقد مكن عددا من العائلات الصحراوية من رؤية بعضها بعد فراق قسري طويل، وكشف مباشرة حجم التلاعب بمصائر البشر داخل المخيمات. لقد رأى أبناء تندوف بأعينهم واقع التنمية في العيون و الداخلة والسمارة و بوجدور، ورأى المغرب مقدار الألم الذي خلفته سياسات الفصل التي تديرها الجزائر. ولم يكن توقف البرنامج إلا دليل على خوف بوليساريو من الحقائق التي بدأت تتسرب إلى الخارج، خاصة وأن تقارير الأمم المتحدة سجلت رغبة كثيرين في البقاء في المغرب بعد إنتهاء زياراتهم، وهو ما اعتبرته بوليساريو «نزيفا بشريا» يهدد روايتها ووجودها المزيف. فشكلت شهادات العائدين، أمثال المين ماء العينين والمحفوظ الداه وسليمة بيروك والحافظ حمدي وغيرهم، رافعة قوية لفهم حقيقة ما يدور داخل المخيمات، فرووا كيف تدار حياة الناس بمنطق القبضة الأمنية، وكيف يحتجز السكان دون حق في الحركة، وكيف تصادر المساعدات الإنسانية وتستثمر سياسيا، وكيف تحولت العودة إلى المغرب بالنسبة لكثيرين إلى لحظة تحرر حقيقية. وكشفت تلك الشهادات أن الصورة التي صورت لهم داخل المخيمات ليست سوى بروباغندا تعيش على العزلة وتنهار عند أول تماس مع الواقع.

إن التاريخ يبرهن أن كل فترات الإنفراج جاءت دائما من الجانب المغربي. فمن استقبال الملك الحسن الثاني لوفد بوليساريو سنة 1989 في إطار غير رسمي ، والذي إعترف أعضاؤه حينها بأن الملك «رجل حوار يصغي إلى كل شيء ويناقش كل شيء»، إلى مبادرة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب سنة 2007 وفق هندسة ديبلوماسية للملك محمد السادس نصره الله وأيده، بوصفها تصورا سياسيا ناضجا لتسوية هذا النزاع المفتعل. وقد أكد مجلس الأمن في قراراته المتتالية جدية هذه المبادرة ومصداقيتها، واعتبرها الأساس الواقعي القادر على طي الملف ضمن إطار يحفظ السيادة المغربية ويوفر لكل الصحراويين المغاربة مجالا واسعا لتدبير شؤونهم تحت السيادة المغربية .فتوسع الإعتراف الدولي بالمبادرة الجادة وتوالى إفتتاح عشرات القنصليات في العيون والداخلة، لتتعزز الشرعية السياسية والدبلوماسية لصالح رؤية المملكة المغربية. فجاء قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025 ليشكل لحظة فاصلة تعيد ترتيب المعادلة، إذ ثبت المبادرة المغربية كحل عملي واحد وأوحد، وربط مستقبل المسار السياسي بجدول واضح لا مجال فيه للمناورات القديمة. وقد جاء خطاب جلالة الملك في الليلة ذاتها ليترجم هذا التحول في لغة الدولة حزما في ما يتعلق بثوابت السيادة، وانفتاحا في ما يخص مستقبل أبناء الصحراء أينما وجدوا، ووضوحا في أن المغرب يمد يد المصالحة الكريمة لكنه لا يعيد للنقاش نزاعا مفتعلا حسم نهائيا.

المغرب الذي أدرك و بحكم موقعه الجغرافي ومسؤوليته الإقليمية، أن إستمرار النزاع لا يعني فقط إدامة المعاناة الإنسانية، بل قد يفتح الباب أمام مخاطر أمنية وإستراتيجية في منطقة تعيش أصلا على وقع هشاشة متزايدة في الساحل. ولذلك فهو مدعو إلى دراسة كل الخيارات، من موقع الثقة في شرعيته وفي قوة مشروعه التنموي.

وكما هو معروف في حقل السياسة الدولية ،أن المقترحات تشبه الدواء، قد تحمل آثارا جانبية، ولا بد من تقديرها بميزان الحكمة والحساب السيادي الرصين. ليبقى الإتجاه الأعمق لتنزيل الحكم الذاتي هو الساكنة وكل أهل الصحراء بمختلف مكوناتهم القبلية دون إستثناء جغرافي، فهم وحدهم معيار المشروعية، وهي بوصلة المستقبل. وهنا تكمن القوة الحقيقية للمغرب، وفي رعايتها يتحصن الاستقرار، أما إقصاء أي مكون منها فيعني تعقيد النزاع وفتح بوابات إضافية للفراغ السياسي الذي تغذيه الجزائر وبوليساريو، فمحتجزوا تندوف الذين تحولوا إلى “سجل تجاري” يستثمر فيه سياسيا، هم الضحية الأولى لنزاع أريد له أن يدوم، لأنه يخدم حسابات إقليمية لا علاقة لها لا بحقوق الإنسان ولا بروابط الدم.

ختاما، اليوم وقد نضجت الظروف الدولية وتغيرت موازين القوى وتعززت المكانة الدبلوماسية للمغرب، أصبح الطريق نحو الحل أقرب من أي وقت مضى. فمستقبل سيكتبه أبناء الصحراء أنفسهم، أولئك الذين عادوا إلى وطنهم وأولئك الذين ينتظرون فرصة الخروج من معاناة طويلة. سيجدون دائما أبواب المغرب مفتوحة، لأن المغرب لم يغلق يوما قلبه، ولأنه يعرف أن استعادة الوصل ليست فقط خطوة سياسية، بل فعل إنساني وأخلاقي وتاريخي يعيد الصحراء إلى زمنها الطبيعي، زمن مغربي كامل وثابت سياديا، بمستقبل مزدهر يصنع بإرادة أبنائها وأبناء الوطن.

التعليقات مغلقة.