حين يصبح الولاء بديلا للكفاءة..مأساة مؤسسات تدار بالعمى الإداري

الانتفاضة/ بقلم: ابو سعد عبد الحي

في الوقت الذي تنتظر فيه بلادنا قفزة نوعية في الحكامة وجودة التدبير، نجد أن بعض المؤسسات تدار بمنطق غريب؛ منطق يجعل الولاء الأعمى معيارا للترقية، ويحول الكفاءة والخبرة إلى مجرد تفاصيل تذكر في الهامش. وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: مؤسسات تساق بعقلية العمى الإداري لا بعقلانية المسؤولية.
ما يحدث اليوم ليس مجرد سلوك معزول أو خطأ إداري عابر، بل هو بنية متراكمة تفتح فيها الأبواب أمام الوافدين بدون تمحيص، بينما تقصى الطاقات ذات المسار الطويل والرصيد المعرفي العميق. وبين هذا وذاك تتكرس عبارة شعبية تختزل الواقع بدقة: “سير على الله… دابا يفرج الله”، وكأن تدبير الشأن العام أصبح رهينا بالمصادفات بدلًا من الحكامة الرشيدة.
إن صعود التافهين إلى القمة ليس صدفة عمياء كما قد يعتقد البعض، بل هو نتاج تصميم منهجي يجعل الولاء فوق كل اعتبار، ويحول القرب من القرار إلى جواز مرور يتجاوز كل معايير المهنية والإنصاف. ومع هذا الصعود المصطنع، تتراجع قيمة العمل الجاد، ويستضعف صوت النزاهة، وتصبح الخبرة مجرد ديكور يُستعمل لتجميل واجهة هي في الأصل فارغة من الجوهر.
الوعي الحقيقي يبدأ بفهم أن هذا النموذج ليس طبيعيًا ولا قدرًا مفروضًا، بل هو نتيجة سنوات من التساهل في اختيار الأطر، وتفضيل الولاءات الصغيرة على المصلحة العامة. ومن هنا، تصبح مهمة التقويم ليست اختيارية، بل ضرورة وطنية لضمان استمرار المؤسسات في أداء وظائفها كما يجب.
إن إعادة الاعتبار لمبدأ “الرجل المناسب في المكان المناسب” ليست شعارًا عابرًا، بل هي الركيزة الأساسية لبناء مؤسسات قوية، شفافة، وقادرة على خدمة الوطن والمواطن. فالمؤسسات التي تُدار بالعُمى الإداري محكوم عليها بالترنح، ومصيرها أن تفقد ثقة الناس فيها.
سيظل صوت الضمير أقوى من كل أصوات التفاهة، وسيظل الوطن أكبر من كل الولاءات التي تُصنع على المقاس. فالولاء الحقيقي هو ولاء للكفاءة، وللواجب، وللمسؤولية… قبل أي شيء آخر.

التعليقات مغلقة.