منذ عقود، إرتبطت الأغنية الملتزمة بصورة الثائر و الفنان الذي ينطق بلسان الشعب. كانت سلاحاً ناعماً في وجه القمع، و ملاذاً للهامش و الجامعات، و صدىً لآهات المقهورين.
لكنها اليوم، و بعد كل هذا التراكم، تبدو في كثير من الأحيان مجرد شعار فارغ يختبئ خلفه فنانون يبحثون عن شرعية مجانية.
الإلتزام صار “ماركة تجارية”
في زمن “الترند” و ”البوز”، تحوّل ما يسمى بالأغنية الملتزمة إلى ماركة جاهزة : يكفي أن تحشر كلمات مثل “الحرية”، “الكرامة”، أو “الوطن” في مقطع غنائي حتى تضمن لنفسك تذكرة دخول نادي “الفنان الملتزم”. لكن الحقيقة أن كثيراً من هذه الأعمال لا تختلف عن الأغاني التجارية الرديئة سوى في الإدعاء. فنجد ألحاناً مكررة، كلمات سطحية، و رسائل باردة تُلقى على مسامع الناس دون روح.
إلتزام موسمي أم مواقف راسخة ؟
الأدهى أن بعض الفنانين لا يتذكرون الإلتزام إلا عند الأزمات، أو عندما يريدون العودة إلى الأضواء. فجأةً يتحول “نجم الأغنية الخفيفة” إلى “مناضل غنائي”، يوزع الشعارات يميناً و يساراً، ثم ما يلبث أن يعود إلى ألحان الحب البلاستيكي و الرقص التجاري بمجرد أن يخفت وهج الحدث. هذا ليس إلتزاماً، بل إستغلال فجّ لآلام الناس.
جمهور ذكي لا يُخدع
الخطير أن بعض الفنانين ما زالوا يتعاملون مع الجمهور كما لو أنه كتلة ساذجة لا تميز بين الصادق و المزيف. و الحقيقة أن المستمع اليوم، رغم تشتت ذائقته بين أنماط موسيقية متعددة، صار أكثر وعياً. يصفق بحرارة حين يسمع أغنية تنبض بالصدق، لكنه يسخر بلا رحمة من أغنية ترفع راية الإلتزام بينما هي خاوية من المعنى.
الحقيقة المرة
الأغنية الملتزمة الحقيقية لم تمت، لكنها صارت نادرة. ما يزال هناك فنانون يكتبون بدم قلوبهم ويغنون بجرأة الموقف، لكنهم قلة محاصرة بصخب السوق. أما البقية، فقد جعلوا من “الإلتزام” مساحيق تجميل لوجوه فنية بلا لون و لا موقف.
إذا كانت الأغنية الملتزمة فقدت روحها، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول إلى مجرد خدعة تسويقية. في هذه الحالة، لا فرق بين من يبيعنا “أغنية حب مكررة” و بين من يبيعنا “أغنية ملتزمة” بلا إلتزام. كلاهما يشتغل على الوهم، و الفارق الوحيد أن الثاني يتستر وراء قضايا أكبر منه بكثير.
التعليقات مغلقة.