الانتفاضة // توفيق أجانا
في حضرة المدن العريقة، هناك دائمًا من يختار أن يكون صوتًا لذاكرتها، وضميرًا لتاريخها، وباحثًا لا يكلّ في سبيل إحياء تفاصيلها المنسية. من بين هؤلاء يبرز الدكتور رشيد بوجيا كأحد الوجوه الفكرية المضيئة في المدينة السلطانية، ممن كرّسوا حياتهم لتوثيق ذاكرة مكناس، وتأريخ ملامحها الحضارية بأمانة ووفاء نادرين.
انشغل الدكتور بوجيا على مدى سنوات بالبحث والتنقيب في الوثائق والمحفوظات التاريخية، مستخرجًا منها دررًا ثمينة تسلط الضوء على مراحل دقيقة من تاريخ المغرب الحديث، وتفتح النوافذ على وقائع سياسية واجتماعية هامة، كثيرًا ما غابت عن كتب التاريخ الرسمية. بالإضافة إلى ذلك، يشتغل على الظهائر الملكية التي تعد جزءًا حيويًا من هذا التاريخ، ويستخرج منها ما يساهم في فهم أعمق للمرحلة الملكية وأثرها في تطور المدينة والدولة.
وقد عرفه الوسط الثقافي من خلال سلسلة المقالات المتميزة “وثائق من ذاكرة مكناس”، التي نُشرت في إحدى الجرائد الوطنية، وشكّلت محطة فارقة في المشهد التوثيقي المغربي. لم تكن مجرد نصوص سردية، بل عملًا أكاديميًا رصينًا، بُني على وثائق أصلية شملت تقارير أمنية، وقصاصات صحفية، ومراسلات رسمية نادرة، شكلت مجتمعة بانوراما متكاملة لحقبة ما بعد الاستقلال، وما رافقها من تحولات سياسية وصراعات محورية.
بأسلوبه الرصين الذي يجمع بين الصرامة الأكاديمية وجمالية السرد الأدبي، أعاد رشيد بوجيا تقديم شخصيات وأماكن وأحداث منسية، فرسم من خلال كلماته لوحات حيّة تنبض بالألوان والمعاني، وقدّم للأجيال الجديدة مفاتيح لفهم عمق الهوية المكناسية، كمدينة ذات طابع سلطاني متفرّد، ومكانة راسخة في الوجدان المغربي.
ما يميز بوجيا ليس فقط غزارة معرفته، بل أيضًا تواضعه وأخلاقه الرفيعة، فهو ممن يعملون في الظل، بعيدًا عن الأضواء، لكن عطاءه الفكري والمعرفي لا يلبث أن يضعه في دائرة التقدير والاعتراف المستحق. فقد استطاع، بعزيمته الصامتة، أن يجعل من مشروعه التوثيقي قلادة فخر لمدينته، وإضافة نوعية في مسار الثقافة المحلية والوطنية.
إن قلنا إن الدكتور رشيد بوجيا علم من أعلام مدينة مكناس، فهو يستحق هذا اللقب بامتياز. فهو ليس فقط ذاكرة المدينة، بل ضميرها الحي، وبصمته تستحق أن تُسجل بمداد من ذهب في سجل العاصمة الإسماعيلية. إنه أحد أولئك الذين يصونون التاريخ من النسيان، ويمنحونه حيوية جديدة في كل كلمة يكتبها
التعليقات مغلقة.