الانتفاضة/ ابتسام بلكتبي
في أعماق المحيطات، حيث يسود الغموض وتخفت أضواء الشمس، تعيش ملايين الكائنات البحرية التي تخضع حياتها لإيقاعات لا تزال خفية على العلماء، ومن أبرزها النوم. فعلى الرغم من أن الأسماك، التي تجوب الأنهار والبحار بلا كلل، تبدو وكأنها في حركة دائمة، إلا أن سلوكياتها تكشف عن لحظات من السكون والراحة، وهنا يبرز السؤال الذي يظل قائما وحتميا: هل يمكن فعلا وصف هذا السكون بالنوم كما نعرفه نحن البشر؟
ومع وجود أكثر من عشرين ألف نوع من الأسماك، تتباين طرق الراحة بينها، فبينما تتبع بعض الأنواع أنماطا شبيهة بالنوم لدى الثدييات، تلجأ أنواع أخرى إلى ما يشبه “الغفوة” التي تفتقر إلى المعايير البشرية للنوم. كما تحتاج أدمغة الأسماك بدورها لفترات من الاسترخاء لاستعادة النشاط أو ربما لتنظيف السموم، تماما كما يحدث في أدمغة الثدييات، رغم أن الهدف الدقيق لهذا السلوك ما يزال غير مفهوم بالكامل.
وماذا عن أسماك القرش؟
لطالما ساد الاعتقاد أن توقفها عن الحركة يعني موتها اختناقا، لكن دراسات حديثة نسفت هذا المفهوم، بعدما رصد العلماء عام 2017 مجموعة من أسماك القرش البيضاء ساكنة تماما في أعماق البحر، ما يرجح أنها كانت تمر بحالة من الراحة العميقة أو النوم الجزئي.
ويعتقد بعض الباحثين أن بعض أسماك القرش قد تعتمد أسلوب “النوم أحادي نصف الكرة المخية”، حيث يسترخي نصف دماغها بينما يظل النصف الآخر متيقظا، وهي الظاهرة التي سبق رصدها عند الدلافين التي تحتاج للبقاء واعية جزئيا لتتنفس.
وفي 2019، حقق فريق مورين تقدما علميا بعدما راقبوا سمكة الزيبرا الصغيرة تحت المجهر أثناء نومها، ليكتشفوا أنماط نوم شديدة الشبه بالنوم العميق لدى البشر، بل وأظهرت السمكة حركات عين سريعة كما يحدث في مرحلة الأحلام عند الإنسان.
أما عن توقيت نوم الأسماك، فهو يختلف حسب النوع، فبينما تنشط معظم الأسماك نهارا وتنام ليلا، يختار بعضها العكس. ومن أغرب الأمثلة سمكة الببغاء، التي تحيط جسدها بطبقة مخاطية شفافة تشبه كيس النوم، لحمايتها من الطفيليات والحيوانات المفترسة وحتى الأمراض.
وفي أعماق المحيط، حيث الظلام الأبدي، لم تغب الحاجة إلى النوم أو الراحة، إذ تشير الدراسات إلى أن أسماك الأعماق تملك جينات منظمة لإيقاعها البيولوجي، تضمن لها فترات من السكون مهما اختلفت البيئة.
لماذا إذن يولي العلماء اهتماما بهذه الظاهرة؟
لأن فهم طبيعة نوم الأسماك يمنح الباحثين مفاتيح لفهم أصول النوم عبر تاريخ التطور، ويساعد في حماية هذه الكائنات من تأثيرات التلوث والتغيرات البيئية التي قد تعبث بأنماط راحتها وصحتها.
وربما كان محقا مورين حين قال: “الأسماك كانت أول الفقاريات على الأرض، والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل تنام مثلنا؟ بل: هل نحن من ننام مثلها؟”.
التعليقات مغلقة.