الانتفاضة // ياسر اليماني
تشكل العبارة المطروحة نقطة انطلاق فلسفية تستحق التأمل، إذ تدعونا للتفكير في العلاقة بين المعرفة والوجود، وكيف يمكن أن يؤثر قصور أدواتنا الفكرية والعلمية في تحديد حقيقة ما حولنا.
في هذا المقال، سنناقش هذا المبدأ ضمن سياق دعم نظرية الراديستيزم (الكشف بالقنقنة)، وهي تلك الظاهرة التي يدعي من طرفها الكشف عن أشكال من الإشعاعات أو الطاقات الدقيقة التي لا تستطيع الأجهزة العلمية الحديثة قياسها. ونطرح التساؤل: هل يمكن اعتبار عدم قدرة العلم الحالي على رصد هذه الظواهر دليلًا على عدم وجودها؟
يرتكز المبدأ “ما لا تعرفه فهو ليس موجودا بالنسبة لك” على فكرة أن حدود معرفتنا تحدد إطار وجودنا للظواهر. فلكل إنسان، ومع كل عصر، أدوات ومناهج محددة تُسهم في رسم معالم الحقيقة التي يُمكن إدراكها وقياسها.
وبناءً عليه، فإن ما يقع خارج نطاق هذه الأدوات أو المفاهيم قد يُعتبر غير موجود من منظورنا، رغم إمكانية وجوده في الواقع الموضوعي. وهنا يظهر تحدٍ فلسفي يتمثل في الفرق بين الظواهر (phenomena) كما تُدركها حواسنا وأدواتنا، وبين الأشياء كما هي في ذاتها (noumena) التي قد تبقى بعيدة عن إدراكنا حتى مع تطور المعرفة والتقنيات.
لم يكن التطور العلمي ليحدث بمعزل عن قصور الأجهزة والمعارف السابقة. فهناك أمثلة تاريخية عديدة تُظهر أن ما اعتُبر سابقًا غير موجود أو خيالي، ظهر لاحقًا مع اختراع أدوات قياس جديدة أو مع صياغة نماذج نظرية متطورة.
على سبيل المثال، لم يكن للعلم القديم القدرة على رصد الموجات الكهرومغناطيسية أو الإشعاعات الفلكية، وفي وقت لاحق أصبحت هذه الظواهر من ركائز الفيزياء الحديثة بفضل التقدم التكنولوجي والعلمي.
ومن هنا يتضح أن عدم القدرة على القياس لا يعني بالضرورة غياب الظاهرة، بل قد يعكس فقط قصوراً في تقنياتنا وأدواتنا المعرفية.
يُقدم مناصرو الراديستيزم تجربة حسية وذاتية يُقال إنها تمكنهم من الكشف عن أشكال من الإشعاعات أو الطاقات غير المرصودة بالأجهزة التقليدية.
يتجلى هنا التحدي الرئيسي الذي يواجه العلم الحديث: إذ يُستند النقد إلى أن الأجهزة المتاحة حاليًا قد لا تكون الحساسة بما فيه الكفاية لاكتشاف الظواهر الدقيقة التي تتحدث عنها الراديستيزم.
من هذا المنطلق، يُطرح السؤال: “لماذا لا نقول إن العلم الحالي قاصر في احتوائه على الأجهزة المتطورة لقياس الإشعاعات التي تتواصل عبر علم الراديستيزم؟” إذ يبدو أن القصور التكنولوجي والمعرفي قد يكون سببًا في رفض بعض الظواهر أو اعتبارها غير موجودة، بينما قد يكون في حقيقتها بُعد غير مستوعب بعد في منظومة المعرفة العلمية السائدة.
تدعونا هذه المناقشة إلى تبني موقف من التواضع المعرفي، حيث يجب الاعتراف بأن معرفتنا محدودة وأن هناك جوانب من الواقع قد تبقى مجهولة حتى مع التطورات العلمية.
إن رفض ظاهرة ما لم يتمكن العلم من قياسها لا ينبغي أن يُفسَّر كدحض مطلق لوجودها، بل ينبغي أن يكون دافعًا لتطوير أدوات جديدة وتوسيع مدارك البحث العلمي.
إن النظرية الراديستيزمية، بكونها تُبدي اهتمامًا بالظواهر التي تقع خارج نطاق القياس التقليدي، تذكرنا بأن الحقيقة قد تكون أوسع وأعمق من ما يستطيع العقل أو الأجهزة الحالية استيعابه.
وفي هذا السياق، يصبح المبدأ “ما لا تعرفه فهو ليس موجوداً بالنسبة لك” حافزًا لإعادة النظر في معايير القياس والاعتراف بأن التطور العلمي يحمل دائمًا إمكانات لاكتشاف ما كان في السابق مجهولاً.
في ختام هذا المقال، يمكننا التأكيد على أن العلاقة بين المعرفة والوجود ليست ثابتة، بل هي عملية ديناميكية تتأثر بقدراتنا المعرفية والتكنولوجية.
إن عدم قدرة الأجهزة العلمية الحديثة على قياس بعض الظواهر، كما تدعيها الراديستيزم، لا يعني بالضرورة أن هذه الظواهر غير موجودة؛ بل قد يكون ذلك مؤشرًا على الحاجة إلى أدوات ونظريات جديدة لتفسيرها.
وبالتالي، فإن المبدأ القائل “ما لا تعرفه فهو ليس موجوداً بالنسبة لك” يحمل في طياته دعوة مفتوحة للتشكيك في حدود معرفتنا والتأكيد على أهمية التواضع الفكري، مما يفتح المجال أمام البحث المستقبلي في مجالات قد تبدو غامضة اليوم، لكنها قد تحمل في طياتها حقائق جديدة تعيد تشكيل فهمنا للكون.
بهذا النهج، نجد أن النظرية الراديستيزمية ليست مجرد تجسيد لفكرة ما وراء القياس التقليدي، بل هي دعوة لإعادة النظر في حدود العلم المعاصر والتأكيد على أن ما هو مجهول اليوم قد يصبح واقعًا معترفًا به غدًا.
التعليقات مغلقة.