تشغيل الأطفال في المغرب بين صمت الجهات المسؤولة وتغييب العدالة الاجتماعية.

الانتفاضة

جميلة ناصف

تعرف ظاهرة تشغيل الأطفال، أو مايعرف بعمالة الأطفال، بأنها ممارسة الأعمال التي تضر بنموهم العقلي، والجسمي، وتحرمهم من ممارسة طفولتهم الطبيعية، وتمس بكرامتهم، ومكانتهم و تمنعهم منها، وقد تم إضافة بند يتعلق بتشغيل الأطفال في كل من اتفاقية الأمم المتحدة لحقوق الطفل، واتفاقية منظمة  العمل الدولية عام 1973م، حيث حددت المادة رقم 138من الاتفاقية الحد الأدنى للعمر الذي يسمح  به بالعمل، كما تم تضمينه في اتفاقية أسوأ أشكال عمل الأطفال سنة 1999م في المادة 182، فما هو السبيل للقضاء على هذه الظاهرة و الحد منها؟.

تضطر العديد من الأسر إلى حرمان أبنائها من حق التمدرس، واللعب خلال فترة الطفولة، وترسلهم للعمل في الحقول، أو ورشات الميكانيك، والحدادة، والنجارة وغيرها، وغالبا ماتعمل الفتيات الصغيرات كخادمات في بيوت الميسورين، والسبب الرئيسي الذي يجعل الآباء يزجون بفلذات كبدهم في عالم الشغل منذ نعومة أظافرهم، هو ارتفاع تكاليف الحياة، وتقلص فرص الشغل والبطالة، حيث يلجأ الأب إلى تشغيل ابنه وابنته ليعيناه على تلبية حاجيات باقي أفراد الأسرة، بالإضافة إلى انتشار التقاليد والعادات التي تشجع على إتباع الأطفال لخطى والديهم في عمل معين او تجارة ما، وتعلم ذلك العمل والتجارة وممارسته منذ الطفولة .

قد تؤدي كل هذه الأسباب إلى توجه الأطفال ودخولهم إلى سوق العمل في سن مبكرة بدلا من الذهاب إلى المدارس، وقد يدخل عدد كبير منهم سوق العمل وهم أميون، وغير قادرين على القراءة والكتابة، ويفتقرون إلى أهم الأسس التي تنمي مهاراتهم الاجتماعية، وتحسن فرصهم في الحياة، وتحقق لهم الحياة الكريمة.

ويترتب عن تشغيل الأطفال عواقب اقتصادية، واجتماعية، و نفسية وخيمة، منها الاعتداء الجنسي، وخاصة الاستغلال الجنسي للفتيات من قبل البالغين، والاغتصاب، والحمل المبكر غير المرغوب فيه، والإيذاء الجسدي الذي يشمل العقاب البدني، وسوء المعاملة العاطفية مثل اللوم والاستخفاف والاعتداء اللفظي.

تشكل ظاهرة تشغيل الأطفال آفة حقيقة مقلقة تمس أعدادا متزايدة  ، ذكورا وإناثا، خصوصا في الأحياء الشعبية، والهامشية، وفي البوادي، الشيء الذي دفع المنظمات الدولية والعديد من الفاعلين إلى بذل مجهودات اكبر للقضاء على هذه الظاهرة.

ويهدف اليوم العالمي لمكافحة عمل الأطفال إلى تحفيز الحركة العالمية المتزايدة ضد عمل الأطفال، وتأكيدا للصلة بين العدالة الاجتماعية وعمل الأطفال، تقرر أن يكون شعار احتفالية هذا العام هو “تحقيق العدالة الاجتماعية للجميع، وإنهاء عمل الأطفال، حسب ماجاء في تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة.

وفي هذا الإطار، قال: “عبد العالي الرامي”، رئيس جمعية منتدى الطفولة في تصريح له “إن ظاهرة تشغيل الأطفال تشكل تهديدا حقيقا للسلامة البدنية، والنفسية للقاصرين الذين يتم استغلالهم من قبل مجموعة من الوحدات الإنتاجية سعيا منهم لتحقيق الربح بأقل تكلفة”.

وتابع قائلا: “يجب على الجهات المسؤولية تكثيف الجهود، وتوعية الآسر بخطورة ظاهرة تشغيل الأطفال، وتقديم الدعم اللازم لها، وإطلاق المزيد من المبادرات “، منوها بالبرنامج النموذجي “تيسير” للتحويلات المالية المشروطة لدعم الآسر، والمساهمة في الحد من الهدر المدرسي لأطفال القرى بالخصوص، ومبادرة “مليون محفظة” التي لها وقع ايجابي كبير.

تشغيل الأطفال اذن هو مشكلة اجتماعية خطيرة تحتاج إلى بذل المزيذ من الجهود للحد من تناميها المقلق في المجتمع المغربي، ومن أبرزها:

– توفير التعليم المجاني والواجب التعليمي،  اذ يجب على الحكومات، والمنظمات الدولية العمل على توفير فرص التعليم المجاني، والواجب التعليمي للأطفال، إذ يساعد التعليم على رفع مستوى الوعي، وتحقيق فرص مستقبلية أفضل للأطفال.

– فرض قوانين، وتشديد الرقابة بفرض الحكومات قوانين صارمة لمكافحة تشغيل الأطفال، وضمان حماية حقوق الطفل، وتشديد الرقابة على العمل الغير القانوني، وتطبيق العقوبات على المخالفين.

– تعزيز الوعي والتثقيف من خلال توعيتهم حول أثار تشغيل الأطفال، وحقوق الطفل، وتوعية العائلات، والمجتمع بإضرار هذه الظاهرة.

– دعم الأسر وتحسين ظروف المعيشية بتقديم الدعم، والمساعدة للأسر المحتاجة ، وتحسين الظروف المعيشية الاقتصادية، لان ذلك يساهم في تقليل الضغوط التي تجبر الأسر على تشغيل أطفالها لتحقيق دخل إضافي.

إن مشكلة تشغيل الأطفال ظاهرة معقدة، تتطلب جهودا مستمرة ومتعددة من قبل الحكومات، والمجتمع المدني، والمؤسسات الدولية، والأفراد لضمان حقوق الأطفال، وتوفير بيئة أمنة وصحية لنموهم وتطورهم.

التعليقات مغلقة.