أبي صاحب الظل الكبير…لمن فقد اباه اليك تابينه ولا تنس الدعاء

الانتفاضة/ محمد المتوكل

كان يوازيني طولاً وجسمًا وحجمًا، إلا أنه كان يكبرني بكثير… لطالما تمنيت أن أكون في دماثته وأخلاقه العالية وثباته وشجاعته في المواقف الصعبة… لم يكن يساورني شك في أنه يسبقني إلى الله بمفازات وقفار وبحار قطعها في الطريق… قنعتُ منه بمجرد القرب والإفادة من مواقفه الفريدة حينما تأكدت ألا طاقة لي باللحاق به… كنت أتساءل دائمًا عن السر الذي أوصله إلى مثل هذه الحالة، بيْد أن المعايشة المستمرة له أوقفت ضميري على مآثره ومزاياه التي لم أرها في أحد قبله…
لم أكن في بادئ الأمر أعبأ كثيرًا إذا تعرضت لفقد شيء مما أملك, ولكنني صرت على يقين عندما أثبتت لي الأيام أن الإنسان لا يقدّر النعمة التي أنعم الله بها عليه إلا حينما يفتش عنها فلا يجدها… ويسبر أغوار ذاته فلا يجد منها إلا طيفًا مستقرًا في وحشة الغربة والأسى… أو يتخبط يمنة ويسرة حينما لا يجد توجيهها الذي اعتاده على مر الأيام والسنين… لم يتسرب هذا المعنى إلى ضميري، إلا حينما سافر أبي إلى الدار الآخرة، ومرّ على سفره شهر حتى الآن…وخلى المنزل من نصحه، وتوجيهه ،وارشاده ،وغضبه أحيانا ،فمع أن الله قد رزقني بأم طيبة وحنونة، وإخوة رائعون، وأخوات تشرق لهن الدنيا حينما تطل إحداهن، إلا أنني أشعر بوحدة لا تكاد توصف بغيابه…
لا يزال صدى كلماته يهمس في أذني كلما جلست إلى نفسي أتذكره وأتذكر ذكرياتنا معًا… أتذكر نظراته الحنونة أحيانًا والغاضبة أحيانًا أخرى… الباسمة تارة، والحزينة تارة ،والمترقبة تارة أخرى… أكاد أرى الآن عينيه مرتسمتين أمامي برموشهما الطويلة وبؤبؤيهما الأسودين شديدي القتامة… لم يبق لي منهما إلا الذكرى…
كم كنت أحمق عندما كنت أسبب له الضيق والحزن بداعٍ وبلا داع… كنت أحيانًا أندهش من غضبه “الرقيق” من بعض ما لا أعده أنا شيئًا في ميزان المشكلات بين المرء وأبيه… ولكنني بمرور الوقت إكتشفت كم كان رقيق القلب، جياش العاطفة بشكل لا محدود… لذلك كان القليل من الخطأ يغضبه، كما كان القليل من الحب يرضيه ويقنعه… من أجل ذلك لم أجد في نفسي غضاضة الآن لأصف نفسي بالحمق حينًا والبلاهة أحيانًا… كان شيء بداخلي يخبرني بأنني يومًا ما سأجد نتيجة ما كانت تقترفه يداي.. صوت كان يأتيني من ركن بعيد في أعماق ذاتي كان يتردد صداه في نفسي… لم أكن أدري أن هكذا عقابًا أليمًا كان سيحل عليّ بالبعد عنه…
لا أخفيكم… في بعض الأحيان عندما كان يدب الشك إلى عقلي ،كنت أتصنّع المشكلات لإغضابه… وكأن عقلي الباطن يدفعني لأضعه في اختبارات لأرى مدى قوته وصلابته أو رجولته إن شئت أن تقول… بل وفي بعض الأحيان كان حِلمه هو ما يجرّئني على أن أستفزه بفعل سوء أو كلمة سوء أو نظرة سوء…
كنت أجالس أصدقائي في بعض الأحيان فيحكون لي عن أب يضرب، وأب يشتم، وأب يسب، وأب يقَذَف… وأب يهجر البيت شهرًا أو شهرين… وأب يكسر ضلعًا أو ضلعين… وأب وأب وأب… فأتخيل حينها صورة “صاحب الظل الكبير” تتراءى أمامي ،وهو يفعل الشيء نفسه فأستعيذ.. وأستعيد ذكريات أعدّها أليمة، لترسم لي الغضب على طريقته هو… حيث يضرب… نعم يضرب… يضرب مثلاً في النزاهة والحلم والأخلاق… كانت غضبته هجرًا في أقصى صورها… ويا لها من غضبة… لهفي على قلبي من غضبة “صاحب الظل الكبير”… كانت تتقطع معها أوصالي… ويتفتت إزاءها قلبي ويتمزق حينها كبدي… ولكن ليته كان يعود، فتعود للدنيا بسمتها وإشراقها من جديد…
حينما يبتسم “صاحب الظل الكبير” كنت أرى الدنيا بمنظار آخر.. كنت أراها كما علّمني أن أراها… خاليةً من الشر… فارغة من القهر… خاوية من الأسى أو الحزن… مليئةً بالبشر والحبور… قريرةً بالدفء والنور… بسمة واحدة من ثغره الواسع إلى حد ما كانت تملأ البيت روحًا وريحانًا…
كنت أستغرب عند رؤيتي لظلَّه ونحن سائرون معًا… فرغم كوننا متساوييْن في الحجم، إلا أن ظلّه كان ثلاثة أضعاف من ظلي تقريبًا.. تعجبت كثيرًا حينما شاهدت ذلك لأول وهلة… بيْد أن العجب زال حينما رأيت” صاحب الظل الكبير” من الداخل… حينما نضح قلبُه حبًّا وعقلُه فكرًا… أيقنت حينها أن الشمس تظلمه حينما منحته ذلك الظل الذي يتضاءل بجانبه كل ظل آخر…
كنت أستظل به كلما أصابتنا أشعة شمس الزمن الحارقة… بسخونتها… ورعونتها… وقساوتها… وفجاجتها… وغلظتها… كانت تلفحني بعدما تتفرس في وجهي… لم تكن الأيام تمهلنا كثيرًا، حتى تصوب إلينا أشعة شمسها الضارة… ولكن “ظِلّه الكبير” كان يحميني منها… فأكاد أراها مغتاظة كئيبة لرؤيته… تحاول التسلل من خلفه أو بين يديه… ولكنه يتصدى لها في تحدٍّ بالغ… ليثبت لها أنه لا يتزعزع… وأنها لا محالة منهزمة مادامت تواجه.. “صاحب الظل الكبير”…

التعليقات مغلقة.