المجلس الوطني للصحافة المغربية.. هل نحن أمام إصلاح للقطاع أم تضييق على الصحافة الجهوية؟ ومن يحمي المقاولات الإعلامية الصغرى؟

0

الانتفاضة/ ابراهيم السروت

هل أصبح مستقبل الصحافة الجهوية بالمغرب مهدداً؟ وهل القوانين والإجراءات الجديدة التي يعتمدها المجلس الوطني للصحافة تخدم تطوير الإعلام الوطني، أم أنها قد تتحول إلى عائق أمام المؤسسات الصحفية الصغيرى والمتوسطة، التي تناضل يومياً من أجل الاستمرار؟

إن ما يجري اليوم داخل قطاع الصحافة والنشر بالمغرب يطرح أسئلة عميقة تستحق نقاشاً وطنياً ومهنياً مسؤولاً، خصوصاً بعد إعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة بموجب القانون رقم 09.26، وما رافق هذا المسار من نقاشات وانتقادات مهنية وحقوقية.

فإعادة تنظيم المجلس قد تكون فرصة لتصحيح الاختلالات وتطوير آليات التنظيم الذاتي، لكن السؤال الحقيقي هو: هل جرى وضع مصالح جميع المؤسسات الصحفية في الحسبان، أم أن المؤسسات الكبرى ستكون الأكثر قدرة على التكيف مع الشروط الجديدة، بينما تجد الصحافة الجهوية نفسها أمام صعوبات إضافية؟

### أولاً: الصحافة الجهوية ليست صحافة من الدرجة الثانية

لا يمكن الحديث عن إعلام وطني قوي دون الاعتراف بالدور الذي تقوم به الصحافة الجهوية والمحلية. فهذه المؤسسات هي التي تنقل انشغالات المواطنين، وتكشف الاختلالات في الجماعات الترابية، وتتابع قضايا الصحة والتعليم والطرق والتنمية، وتمنح صوتاً للمناطق التي لا تحظى دائماً بالاهتمام الإعلامي الكافي.

فالصحافة الجهوية ليست مجرد مقاولات تجارية، بل هي جزء من الذاكرة المحلية ومرآة للمجتمع، وتؤدي وظيفة رقابية وتنويرية لا يمكن تعويضها بسهولة.

ومن هنا تبرز المخاوف من أن تؤدي الشروط الإدارية والمالية والمهنية الجديدة إلى إقصاء مؤسسات صحفية لا تتوفر على الإمكانيات نفسها التي تتوفر عليها المجموعات الإعلامية الكبرى.

### ثانياً: ماذا يحدث داخل المجلس الوطني للصحافة؟

في 19 يونيو 2026، صادق مجلس المستشارين على مشروع القانون رقم 09.26 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، بعد المصادقة عليه بمجلس النواب في ماي 2026.

كما أعلن المجلس، بتاريخ 5 نونبر 2026، عن مطالبة المؤسسات الصحفية بتقديم وثائقها القانونية والإدارية والجبائية، وشهادة الوضعية المتعلقة بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وقائمة الصحفيين الحاصلين على بطاقة الصحافة المهنية لسنة 2025، وحدد 30 نونبر 2026 آخر أجل لذلك.

هذه الإجراءات تطرح تساؤلات مشروعة حول مدى مراعاة الاختلافات الاقتصادية بين المؤسسات الصحفية، خصوصاً أن الصحيفة الجهوية التي تشتغل بإمكانيات محدودة لا يمكن مقارنتها بمجموعة إعلامية وطنية تتوفر على موارد بشرية ومالية كبيرة.

وقد سبق للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أن أثار ملاحظات بشأن ضرورة ضمان تمثيلية المؤسسات الصغيرة، وتطوير آليات الوساطة، والاهتمام بالاستدامة الاقتصادية للمقاولات الصحفية.

### ثالثاً: هل هذا في مصلحة الحكومة الجديدة لفاطمة الزهراء المنصوري؟

إن أي حكومة تتحمل مسؤولية سياسية ومؤسساتية في حماية حرية الصحافة وضمان التعددية الإعلامية، وليس فقط تنظيم القطاع إدارياً.

وإذا كانت الحكومة الجديدة تسعى إلى بناء مغرب المؤسسات والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، فإن مستقبل الصحافة الجهوية يجب أن يكون جزءاً من أولوياتها.

فهل من المعقول أن نطالب الصحافة بمراقبة تدبير الشأن العام ومحاربة الفساد، ثم لا نوفر لها شروط الاستمرار والاستقلال الاقتصادي؟

وهل من مصلحة المواطن المغربي أن تختفي المنابر الإعلامية المحلية التي تنقل صوته وتدافع عن قضاياه؟

### رابعاً: من يحاسب المجلس الوطني للصحافة؟

إن أعضاء المجلس الوطني للصحافة، بمختلف مكوناتهم، مطالبون بالإنصات إلى الجسم الصحفي بأكمله، وليس فقط المؤسسات القوية أو التنظيمات الأكثر حضوراً.

فالمجلس ليس مؤسسة فوق النقاش أو المساءلة المهنية، بل هو مؤسسة يفترض أن تخدم الصحافة والصحفيين والناشرين والمجتمع.

كما أن الانتقادات التي وجهتها منظمة ARTICLE 19 لمسار الإصلاح، خصوصاً فيما يتعلق بالاستقلالية والتشاور والسلطة التأديبية، تؤكد أن النقاش حول ضمانات التنظيم الذاتي لم ينته بعد.

### خامساً: هل نحن أمام إعدام الصحافة الجهوية؟

لا يمكن الجزم بأن الهدف من هذه الإجراءات هو إعدام الصحافة الجهوية، لكن من المشروع التحذير من نتائجها المحتملة إذا لم تراعِ خصوصية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.

إن المطلوب اليوم هو فتح حوار وطني حقيقي يضم المجلس الوطني للصحافة، وفيدرالية ناشري الصحف، والنقابات المهنية، ومديري المقاولات الإعلامية الجهوية، والصحفيين المستقلين.

كما يجب إقرار معايير عادلة ومتدرجة، ودعم المؤسسات الجهوية، وتوفير الحماية الاجتماعية للصحفيين، وعدم تحويل الشروط الإدارية إلى حواجز تمنع استمرار المقاولات الإعلامية.

إن الصحافة الجهوية ليست عدواً للمجلس الوطني للصحافة، وليست عبئاً على الدولة، بل شريك أساسي في بناء الديمقراطية المحلية والوطنية.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم على جميع المسؤولين:

هل نريد مغرباً تتعدد فيه المنابر الصحفية وتختلف فيه الآراء، أم مغرباً تختفي فيه الصحافة الجهوية تدريجياً لتبقى الأصوات الإعلامية الكبرى وحدها في الساحة؟

إن الدفاع عن الصحافة الجهوية هو دفاع عن حق المواطن في المعلومة، وعن حق المجتمع في المحاسبة، وعن التعددية الإعلامية التي يكفلها الدستور.

صحافي وناشر، مجموعة الانتفاضة الإعلامية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.