الانتفاضة / شاكر ولد الحومة
في أول خروج رسمي لها خارج أرض الوطن منذ تعيينها رئيسة للحكومة المغربية، وجدت “فاطمة الزهراء المنصوري” نفسها أمام اختبار دبلوماسي مهم، من خلال زيارتها إلى العاصمة الروسية موسكو، لتمثيل الملك محمد السادس في أشغال القمة الروسية الإفريقية الثالثة، يومي 28 و29 أكتوبر 2026.
إنها محطة سياسية ودبلوماسية تحمل أكثر من دلالة، خصوصاً وأن المنصوري دخلت مرحلة جديدة من المسؤولية الحكومية، في ظرفية دولية تتسم بتشابك المصالح الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، وتنافس القوى الكبرى على تعزيز حضورها داخل القارة الإفريقية.
فقد حظيت رئيسة الحكومة المغربية باستقبال رسمي في قصر الكرملين من طرف الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، بحضور عدد من رؤساء الدول والحكومات والوفود الإفريقية المشاركة. وكان ظهورها بالقفطان المغربي الأصيل رسالة رمزية تعكس الاعتزاز بالهوية الوطنية والتراث المغربي، في محفل دولي كبير.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل نجحت فاطمة الزهراء المنصوري فعلاً في أول امتحان دبلوماسي لها، أم أن النجاح لا يزال يحتاج إلى وقت ونتائج ملموسة؟
لا شك أن تمثيل الملك محمد السادس في قمة بهذا الحجم مسؤولية كبيرة، خصوصاً أن العلاقات المغربية الروسية تكتسي أهمية متزايدة، سواء على المستوى الاقتصادي أو التجاري أو السياسي. فالمغرب يبحث باستمرار عن تنويع شراكاته الدولية، وعدم حصر علاقاته الاستراتيجية في اتجاه واحد، بما يخدم المصالح العليا للمملكة.
فخلال وجودها بموسكو، تحدثت المنصوري عن تطور العلاقات الاقتصادية بين البلدين، مشيرة إلى أن المبادلات التجارية بين المغرب وروسيا بلغت حوالي 630 مليون دولار خلال سنة 2025، وأن الصادرات المغربية نحو السوق الروسية سجلت ارتفاعاً بنسبة 18 في المائة.
وهذه المؤشرات تفتح الباب أمام فرص مهمة للتعاون في مجالات الفلاحة والطاقة والتجارة والاستثمار والتكنولوجيا، وهي قطاعات تحتاج إلى اتفاقيات عملية وشراكات مستدامة تعود بالنفع على الاقتصاد الوطني والمواطن المغربي.
غير أن الدبلوماسية لا تقاس فقط بحفاوة الاستقبال، ولا بعدد الصور التي تلتقط داخل القصور الرئاسية، وإنما تقاس بمدى قدرة المسؤولين على الدفاع عن المصالح الوطنية، وبناء علاقات متوازنة، وتحويل اللقاءات الدولية إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة.
وهنا تبرز أهمية ملف الوحدة الترابية للمملكة، باعتباره قضية وطنية أساسية، تقتضي حضوراً دبلوماسياً قوياً وتواصلاً مستمراً مع مختلف القوى الدولية، ومن بينها روسيا، العضو الدائم في مجلس الأمن الدولي.
كما أن نجاح رئيسة الحكومة في مهمتها الخارجية يجب أن ينعكس على الداخل المغربي، من خلال تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، ومحاربة الفوارق المجالية، وتوفير فرص الشغل، والرفع من القدرة الشرائية للمواطنين.
إن “فاطمة الزهراء المنصوري” أمام فرصة تاريخية لإثبات أن المرأة المغربية قادرة على تحمل أعلى المسؤوليات السياسية والحكومية، وأن حضورها في المحافل الدولية ليس مجرد صورة رمزية، بل مسؤولية وطنية تحتاج إلى الكفاءة والحكمة والحنكة السياسية.
الخلاصة:
يمكن اعتبار زيارة موسكو بداية إيجابية لأول مهمة دبلوماسية خارجية للمنصوري بصفتها رئيسة للحكومة، لكنها ليست شهادة نجاح نهائية. فالحكم الحقيقي سيكون بما ستسفر عنه هذه الزيارة من نتائج، وبما ستقدمه الحكومة الجديدة للمغاربة من إنجازات.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى حضور قوي في الكرملين، بل يحتاج أيضاً إلى حكومة قوية في الداخل، تنصت إلى نبض الشارع، وتستجيب لانتظارات المواطنين.
والتاريخ وحده سيحكم على أول رئيسة حكومة مغربية، هل استطاعت أن تجمع بين قوة الدبلوماسية ونجاعة التدبير الداخلي، أم أن الطريق نحو النجاح لا يزال طويلاً.