الانتفاضة / محمد جرو
هل تعلمون أن هناك 13 جهة في الواقع وليس فقط 12؟ لكنها مغيبة عن الهندسات الحكومية، إلا من “عملية مرحباً”، حيث يصطف الجميع “لاستقبالهم”، وعيون المستقبلين على حساباتهم وأموالهم.
والخطير أن مهندسو الحكومات في إطار “الترضيات” الحزبية، تبخرت كتابة الدولة المكلفة رسميا من هندسة حكومة الملياردير أخنوش، و عن حكومة أول رئيسة حكومة بالمملكة المغربية، وغاب قطاع الجالية عن خطابها إلا من مجرد جملة إنشائية ركيكة حُشي بها متن التصريح الحكومي، لا تقول أي شيء، ولا تعني شيئًا.
والخطير المتناقض، وهي سمة مادمت في المغرب فلا تستغرب، عمليًّا، تتولى ثلاث مؤسسات تمثيل مغاربة الخارج. أولًا، وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، حيث تنبثق عن هذه الوزارة كتابة دولة مكلفة بالمغاربة المقيمين بالخارج.
فهذه الجهة تضم %16,6 من عدد سكان المغرب (مغربيًّا واحدًا من كل ستة)، بمعنى يبلغ عدد سكانها6,1 مليون نسمة، وتضخ في اقتصاد البلاد نحو 30٪ من المداخيل العادية للدولة.وبلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 89.215 مليار درهم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026، فيما سجلت سنة 2025 حصيلة قياسية بلغت نحو 122 مليار درهم.هذا الرقم يعادل نحو 7.1٪ من الناتج الداخلي الإجمالي في 2025. هذه الجهة تساهم في تمويل المدفوعات الخارجية وتخفيف الضغط الناتج عن عجز المبادلات التجارية. حتى إن مكتب الصرف يشدد على دورها المركزي في تمويل التوازنات الخارجية، وبدونها كان المغرب سيعيش أزمة اقتصادية خانقة في السيولة.
ونزيدكم،إن ما يساهم به سكان الجهة 13 يفوق صافي الاستثمار الأجنبي المباشر بكثير (2,6 مرة)، ويقارب إيرادات السياحة، ويفوق صادرات الفوسفات ومشتقاته بـ46.1٪، أي بفارق 28.15 مليار درهم. كما يعادل 26.6٪ من مجموع صادرات السلع، أو نحو درهم مقابل كل أربعة دراهم من الصادرات، ويعادل 76.8٪ من صادرات قطاع السيارات، ويفوق صادرات الفلاحة والصناعات الغذائية بنحو 37٪.
وتضخ هذه القوة البشرية والاقتصادية في شرايين الاقتصاد تحويلات تبلغ قيمتها ما يقارب ربع النفقات العادية والاستثمارية لميزانية الدولة، وتكاد تعادل نفقاتها الاستثمارية السنوية (129,4 مليار درهم).
هل لا يستحقون إهتماما رسميا بالإستجابة الفورية ،والعاجلة بحقيبة وزارة او كتعرف كحد أدنى،كتابة دولة ،بدل تشتيتهم بين ثلاث مؤسسات ،كما أن الوقت حان لتنزيل الحق الدستوري الذي نص عليه دستور 2011 بشأن حق مغاربة الخارج في الترشح والتصويت في الانتخابات البرلمانية.
فمؤسسة الحسن الثاني للمغاربة المقيمين بالخارج، العجيبة والغريبة اجتمع مجلسها الإداري مرة واحدة ووحيدة سنة 1997. ومنذ هذا التاريخ، لم تُجدَّد هياكلها ولا عضوية مجلسها الإداري، رغم أن المادة 5 من القانون الأساسي تلزمها بعقد اجتماع لمجلسها الإداري مرة كل نصف سنة على الأقل، وإعداد برنامج عمل وحصر الميزانية والحسابات. كذلك مجلس الجالية المغربية بالخارج،الذي أُحدث بظهير في دجنبر سنة 2007 لولاية أولى مدتها أربع سنوات، وأصبح مؤسسة دستورية بموجب الفصل 163 من دستور 2011 ظل جامدًا منذ إحداثه؛ فلم يصدر قانون إعادة تنظيمه حتى الآن، ولم تجرِ إعادة هيكلته وتجديد عضويته منذ 2007، إلى درجة أن الكثير من الأعضاء المعينين إما لم يعودوا مهاجرين.
والمؤسف أن أعلى سلطة ،ملك البلاد،شدد، في ثلاثة خطب، على ضرورة إخراج قانون إعادة تنظيمه، فإن شيئًا لم يحدث. مجلس مشلول، ليس به إلا الرئيس!؟
وفي خطاب 6 نونبر 2024، أمر الملك محمد السادس بإحداث “المؤسسة المحمدية للمغاربة المقيمين بالخارج”، كبديل يجمع كافة المؤسسات التي تُعنى بشؤون الجالية، ويكون بمثابة الذراع التنفيذية للسياسة العمومية الموجهة إليها.
فقد مرت سنتان، ولم تجتمع الحكومة لإخراج هذه المؤسسة إلى حيز الوجود ووضع القانون المُحدِث لها،في استهتار بقرارات وخطب جلالة الملك،والوطن الذي لولا ضخ أموال جاليته المغربة الغريبة عنه،لسقط في هوة سحيقة..لماذا إقصاء أبناء هذا الوطن ،واستمرار التجاهل ..فنحو درهم واحد من كل ستة دراهم مودعة لدى البنوك يعود إلى مغاربة الخارج.
ولكم أن تتصوروا مدى قوة هذه السيولة التي تُضخ في السوق المالية وأهميتها. فقد بلغت ودائع المغاربة المقيمين بالخارج لدى البنوك المغربية 235.5 مليار درهم في نهاية غشت 2026، بحسب بيانات بنك المغرب. وإذا فحصنا هذا الرقم بمزيد من التفصيل، فسنجد أن حصة مغاربة الخارج تصل إلى 22,7٪ من مجموع ودائع الأسر المغربية (البالغة 1,037.2 مليار درهم)، في حين تصل هذه النسبة إلى 16,4٪ من مجموع الودائع البنكية (1,531.2 مليار درهم)، حسب آخر أرقام بنك المغرب.
مؤشر آخر. تكشف لنا دراسة للمندوبية السامية للتخطيط، نُشرت سنة 2022 اعتمادًا على البحث الوطني للهجرة 2018–2019، أن 75.2٪ من الأموال المحوّلة من مغاربة الخارج إلى الأسر المغربية داخل البلاد كانت مخصصة للنفقات اليومية: 31,3٪ لنفقات الغذاء والملابس، و18٪ للأدوية والصحة، و25,9٪ لنفقات استهلاكية أخرى. وبإضافة التعليم والكراء وسداد الديون ونفقات جارية أخرى، تصل حصة النفقات العادية من الأموال التي تتلقاها الأسر المغربية من عائلاتها وأقاربها بالمهجر إلى 87.1٪.
ألا تستحق الجهة 13 من المملكة العناية والاهتمام، عوض تلك الجملة الإنشائية اليتيمة والركيكة؟.
هم غرباء لدى دول المهجر،وغرببون داخل وطنهم ،الذي يفتح ذراعيه لهم عند فترة “مرحبا”أمام سيولاتهم وتحويلاتهم،ويتخلى عن مواطنتهم في”الديوانة”.