الانتفاضة/ بقلم: حبيل رشيد
يجسد السيد عامل إقليم سطات، محمد علي حبوها، نموذجاً للمسؤولية الترابية التي تتقاطع فيها الخبرة الإدارية مع رهانات الحكامة المجالية، وتتداخل ضمنها مقتضيات التدبير المؤسساتي مع متطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في سياق وطني تتعاظم فيه الحاجة إلى إدارة ترابية قادرة على استشراف التحولات، وترتيب الأولويات، وتنسيق تدخلات مختلف الفاعلين، وتحويل البرامج العمومية إلى مشاريع تستجيب لانتظارات الساكنة. فالحكامة الترابية، بما تنطوي عليه من تخطيط استراتيجي، وتدبير عقلاني للموارد، وتقييم للأداء، وتكريس للالتقائية المؤسساتية، أضحت إحدى الركائز الأساسية لقياس نجاعة الإدارة العمومية ومدى قدرتها على مواكبة التحولات المجالية، وهو ما يمنح تجربة السيد العامل أهمية خاصة بالنظر إلى المسار المهني الذي راكمه والأوراش التنموية التي شهدها الإقليم خلال فترة توليه مهامه.
لقد تشكل المسار المهني للسيد محمد علي حبوها عبر محطات إدارية ومجالية متعددة، استهلها سنة 1990 إطاراً بمكتب استغلال الموانئ بأكادير، ثم رئيساً لقسم الاستغلال بميناء العيون سنة 1991، قبل أن ينتقل إلى مسؤوليات داخل وزارة الداخلية وبديوان والي جهة العيون، ويتولى مهاماً ترابية شملت إقليم طرفاية وعمالة مقاطعات سيدي البرنوصي وإقليم بركان، وصولاً إلى تعيينه عاملاً على إقليم سطات في 12 ماي 2025. ويتيح هذا التدرج قراءة تجربة مهنية اتسعت مجالاتها بين التدبير التقني والإداري والعمل الترابي، بما يستلزمه ذلك من تنسيق مؤسساتي، واستيعاب للخصوصيات المحلية، وتقدير للإكراهات المرتبطة بالتنمية وتفاوت الحاجيات بين المجالات.
ومن الثابت أن الحكامة الترابية الحديثة تتجاوز انتظام الإجراءات الإدارية وسرعة معالجة الملفات، لتشمل جودة القرار، ودقة التشخيص، وحسن توظيف الموارد، والقدرة على إرساء الانسجام بين البرامج والمشاريع العمومية. ولذلك، فإن المسؤول الترابي يضطلع بأدوار تتطلب الجمع بين اليقظة الميدانية والرؤية الاستشرافية، وبين صرامة التنظيم ومرونة التنفيذ، فضلاً عن تعبئة الشركاء وتنسيق تدخلاتهم ضمن تصور تنموي متكامل. وفي هذا السياق، تكتسب تجربة السيد العامل دلالتها من خلال ما تتيحه من أدوات للتأطير والتنسيق وتتبع الأوراش، مع ضرورة ربط تقييم الأداء بما يتحقق فعلياً من نتائج وأثر على حياة المواطنين.
وتبرز مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ضمن أبرز الأوراش التي شهدها الإقليم خلال سنة 2026، إذ ترأس السيد العامل، في يوليوز من السنة ذاتها، اجتماع اللجنة الإقليمية الذي أفضى إلى المصادقة على 27 مشروعاً تنموياً بغلاف مالي إجمالي يفوق 43 مليون درهم. وتوزعت هذه المشاريع بين تحسين البنيات الأساسية، ومواكبة الأشخاص في وضعية هشاشة، وتنمية قدرات الأجيال الصاعدة، بما يعكس تعدد أبعاد التنمية المحلية وتداخل رهاناتها الاجتماعية والمجالية. كما يكتسي اعتماد النظام المعلوماتي الجغرافي المندمج (SIG) أهمية خاصة في تشخيص الحاجيات وتحديد الأولويات وتوجيه التدخلات وفق الخصوصيات الترابية، بما يساعد على الانتقال من البرمجة العامة إلى التخطيط الأكثر دقة واستناداً إلى المعطيات.
وفي موازاة ذلك، يبرز الأمن المائي باعتباره أحد الملفات الاستراتيجية المرتبطة بالاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة، ولا سيما في ظل توالي سنوات الجفاف وتصاعد الضغط على الموارد المائية. فقد شهد الإقليم إطلاق مشاريع لتعزيز البنية التحتية للتزويد بالماء الصالح للشرب، من بينها بناء خزان بجماعة الحوازة بسعة 4000 متر مكعب، ومحطة للضخ باستثمار يناهز 16,46 مليون درهم، بهدف رفع السعة التخزينية وتمديد استقلالية التزويد لفائدة ثماني جماعات ترابية. كما شملت الأوراش المعلن عنها بناء خزان بالمركب الهيدروليكي للبروج بسعة 5000 متر مكعب، بكلفة تناهز 20,06 مليون درهم، وخزان مماثل بالمركب الهيدروليكي مزامزة بمدينة سطات باستثمار يبلغ 16,98 مليون درهم.
وعلاوة على ذلك، أُطلقت أشغال مشروع ربط منظومة تينفالت–البروج بمحطة معالجة مياه سد المسيرة، عبر شبكة قنوات تمتد على 15,6 كيلومتراً وثلاث محطات للضخ، بغلاف مالي يقارب 23,63 مليون درهم. وتكتسب هذه المشاريع أهميتها من أهدافها المعلنة المتعلقة بتعزيز استمرارية التزويد بالماء وتوسيع الاستفادة منه، غير أن الحكامة الرشيدة تقتضي، فضلاً عن تعبئة الاعتمادات وإطلاق الأشغال، الحرص على احترام الآجال ومعايير الجودة، وضمان الصيانة والاستغلال المستدام، وقياس التحسن الفعلي الذي يطرأ على الخدمة المقدمة للساكنة. فالمردودية الحقيقية للاستثمار العمومي تتحدد بقدر ما يحققه من أثر ملموس ومستدام، لا بمجرد حجم الموارد المرصودة له.
أما على مستوى التأهيل المجالي وفك العزلة، فقد أُطلقت أشغال توسعة وتقوية الطريق الجهوية رقم 316 على طول يفوق عشرة كيلومترات، بكلفة تناهز 37,85 مليون درهم، في مشروع يستهدف تحسين حركة السير وتعزيز السلامة الطرقية. كما شهدت مدينة ابن أحمد وضع الحجر الأساس لبناء مركز للأطفال المصابين بالتوحد بغلاف مالي يقارب 3,06 ملايين درهم، إلى جانب إطلاق أشغال بناء مركز للتربية والتكوين النسوي بجماعة أولاد أمراح بتمويل يفوق 1,64 مليون درهم، فضلاً عن افتتاح وكالة للقرب بدار الشافعي باستثمار بلغ 400 ألف درهم. وتكشف هذه المشاريع عن أهمية المقاربة التي تجمع بين البنية التحتية والخدمات الاجتماعية، إذ إن التنمية المندمجة تقتضي تحسين الربط بين المجالات، وتقريب المرافق من المواطنين، وتوسيع فرص الإدماج والمواكبة والتكوين.
وتعود بعض هذه الدينامية إلى أوراش شهدها الإقليم سنة 2025، من بينها تدشين محطة لمعالجة المياه الجوفية وإزالة المعادن منها بجماعة سيدي العايدي، وإطلاق مجمع للصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي بمدينة سطات، بما يستهدف دعم الحرفيين والتعاونيات وتثمين المنتوجات المحلية. ومن شأن هذه المبادرات، متى استكملت وفق الأهداف المحددة لها، أن تسهم في تقوية الاقتصاد الاجتماعي، وتوسيع فرص النشاط المنتج، وتعزيز ارتباط التنمية المحلية بالمؤهلات الاقتصادية والبشرية للإقليم.
ومن منظور التدبير الإداري، تلائم هذه الأوراش الفكرة التي أكدها المفكر والخبير الإداري بيتر دراكر بشأن التمييز بين الكفاءة والفعالية؛ فالكفاءة ترتبط بإنجاز الأعمال على نحو صحيح، بينما تتعلق الفعالية باختيار الأعمال ذات الأولوية. وتكمن دلالة هذا التمييز في أن جودة الحكامة الترابية تقتضي تحديد الحاجيات الأكثر إلحاحاً، وتوجيه الموارد نحوها، ثم ضمان التنفيذ الجيد وتقييم النتائج. كما تبرز مقولة دوايت أيزنهاور، التي تؤكد أن التخطيط يظل أساسياً حتى عندما تتغير الخطط، أهمية الاستعداد المسبق والمرونة في مواجهة المستجدات، وهي مقتضيات تكتسي أهمية بالغة في تدبير مجال تتداخل فيه التحديات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن تجربة السيد عامل إقليم سطات محمد علي حبوها تُقرأ من خلال مساره المهني وتعدد المسؤوليات التي اضطلع بها، كما تُقرأ من خلال المشاريع التي أُعلن عنها خلال فترة توليه مهامه بالإقليم. وتظل الحكامة الترابية الفعالة رهينة بتضافر جهود السلطة الإقليمية والمنتخبين والمصالح اللاممركزة والمؤسسات الشريكة، ضمن توزيع واضح للاختصاصات، وتنسيق مستمر للتدخلات، وآليات منتظمة للتتبع والتقييم وربط المسؤولية بالنتائج.
إن التنمية المندمجة لا تُقاس بحجم الاستثمارات وحده، وإنما بما تحدثه من تحول في الواقع اليومي للمواطنين: انتظام التزويد بالماء، وتحسن الربط الطرقي، وتقريب الخدمات، وتعزيز الإدماج الاجتماعي، وتهيئة شروط أكثر ملاءمة للنشاط الاقتصادي. ومن ثم، فإن الرهان المطروح أمام الإدارة الترابية بإقليم سطات يتمثل في مواصلة تثمين الإمكانات المحلية، وتسريع إنجاز المشاريع، وضمان استدامة خدماتها، وتعزيز التوازن بين المجالين الحضري والقروي، حتى تتحول البرامج المعلنة إلى نتائج ملموسة تستجيب لتطلعات الساكنة.
وهكذا، تظل الحكامة الترابية مدخلاً مركزياً لترسيخ نجاعة التدبير العمومي وتحقيق التنمية المجالية المتوازنة، فيما يشكل التنفيذ الفعلي للمشاريع وقياس مردوديتها واستدامة أثرها الاختبار الأوضح لنجاح الاختيارات الإدارية والتنموية. فالمسؤولية الترابية، في جوهرها، تُقاس بقدرتها على تحويل الإمكانات إلى فرص، والبرامج إلى منجزات، والتنسيق المؤسساتي إلى خدمات ذات جودة، بما يعزز ثقة المواطن في الإدارة ويكرس التنمية باعتبارها غاية العمل العمومي ومرتكز الحكامة الجيدة.