الانتفاضة/ جميلة ناصف
بعد ثلاث سنوات كاملة على الزلزال الذي ضرب إقليم الحوز ومناطق مجاورة في شتنبر 2023، لا تزال تداعيات الفاجعة حاضرة في حياة عدد من الأسر المتضررة، التي تقول إن ملفاتها المرتبطة بالدعم وإعادة الإعمار لم تجد بعد طريقها إلى التسوية، في وقت تؤكد فيه السلطات أن ورش إعادة البناء والتأهيل قطع أشواطا مهمة، وأن آلاف الأسر استفادت من الدعم المخصص لها.
وبينما شكل الزلزال واحدة من أكبر الكوارث الطبيعية التي عرفها المغرب خلال العقود الأخيرة، أطلق على إثره برنامج واسع لإعادة الإعمار وتأهيل المناطق المتضررة، شمل المساكن والبنيات التحتية والمؤسسات التعليمية والصحية والطرق والمرافق الأساسية، إلا أن استمرار بعض الملفات العالقة يعيد إلى الواجهة أسئلة مرتبطة بمدى استفادة جميع الأسر المعنية، وبكيفية معالجة الحالات التي اصطدمت بتعقيدات إدارية أو عقارية أو تقنية.
وتشير آخر المعطيات الرسمية إلى أن أشغال بناء وتأهيل 54 ألفا و425 مسكنا تم استكمالها إلى حدود مارس 2026، فيما كان أكثر من 3 آلاف مسكن في طور الإنجاز، بينما تجاوزت القيمة الإجمالية للدعم المالي المقدم للأسر المتضررة 7.2 مليارات درهم. كما استفادت عشرات الآلاف من الأسر من المساعدات الاستعجالية ودعم إعادة البناء أو التأهيل، ضمن برنامج خصصت له الدولة اعتمادات مالية مهمة منذ الأيام الأولى التي أعقبت الزلزال. غير أن هذه الأرقام، على أهميتها، لا تعني أن جميع الأسر عاشت المسار نفسه، إذ لا تزال أسر متضررة تقول إنها تنتظر تسوية وضعيتها أو الحسم في ملفاتها، خصوصا في الحالات التي ترتبط بوضعية الملكية والإرث، أو الاختلاف حول مساحة العقار، أو صعوبة الحصول على الوثائق، أو ارتفاع كلفة إعادة البناء مقارنة بحجم الدعم المخصص.
وتزداد هذه الإشكالات تعقيدا في عدد من المناطق الجبلية، حيث تتطلب عملية إعادة بناء المساكن تكاليف إضافية مرتبطة بالتضاريس وبعد المناطق عن مراكز المدن والأسواق، فضلا عن ارتفاع كلفة نقل مواد البناء والأشغال المرتبطة بإعادة تهيئة بعض المواقع. كما أن طبيعة بعض المساكن القديمة، وطريقة بنائها، تجعل إعادة تشييدها وفق المعايير الجديدة أكثر صعوبة بالنسبة إلى أسر تعيش أصلا أوضاعا اقتصادية هشة.
وتقول الأسر التي ما تزال تنتظر تسوية ملفاتها إن مرور ثلاث سنوات على الزلزال يجعل استمرار وضعيتها أكثر صعوبة، خصوصا بالنسبة إلى من لم يتمكنوا من إعادة بناء مساكنهم أو اضطروا إلى الاستمرار في ظروف سكنية مؤقتة. وبالنسبة إلى هؤلاء، فإن الحديث عن حصيلة عامة للبرنامج لا ينهي بالضرورة معاناتهم الفردية، ما دام الملف الخاص بكل أسرة لم يحسم بشكل نهائي.
وفي هذا السياق، عادت مطالب المتضررين إلى الواجهة، حيث دعت أسر وجهات تمثلها إلى تدخل السلطات من أجل مراجعة الملفات التي لم تتم تسويتها، وتمكين المستحقين من الدعم، وتسريع إجراءات إعادة البناء، إلى جانب المطالبة بتوضيح أسباب عدم استفادة بعض الأسر من البرامج المعلن عنها. كما برزت مطالب سياسية وبرلمانية بضرورة معالجة وضعية المتضررين الذين يقولون إنهم ما يزالون خارج دائرة الاستفادة، مع الدعوة إلى توضيح المساطر والمعايير التي تم اعتمادها في دراسة الملفات واتخاذ القرارات بشأنها.
ومن بين المطالب التي تطرحها بعض الأسر كذلك فتح تحقيق في طريقة تدبير بعض الملفات، والوقوف على أسباب استمرار حالات معينة دون حل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بأسر تقول إنها تتوفر على ما يثبت تضرر مساكنها، لكنها لم تتمكن من الاستفادة من الدعم المخصص لإعادة البناء أو التأهيل. وتبقى المطالبة بالتحقيق، في حد ذاتها، تعبيرا عن موقف ومطلب صادر عن المتضررين والجهات التي تتحدث باسمهم، ولا تعني ثبوت وجود اختلالات أو مخالفات في تدبير البرنامج، ما لم تثبت ذلك جهات التحقيق المختصة. غير أن طرح هذه المطالب يسلط الضوء على أهمية توفير أجوبة واضحة للأسر، وتمكينها من معرفة أسباب القرارات المتخذة بشأن ملفاتها، والمساطر التي يمكنها سلوكها في حالة الاعتراض أو طلب إعادة النظر.

وفي المقابل، فإن حجم الأوراش التي أطلقتها الدولة بعد الزلزال يعكس تعبئة مالية ومؤسساتية واسعة لإعادة إعمار المناطق المتضررة، حيث لم تقتصر العملية على إعادة بناء المنازل، وإنما شملت أيضا تأهيل المؤسسات التعليمية والصحية والطرق والمرافق وشبكات الماء والكهرباء، في محاولة لإعادة الحياة إلى المناطق التي تضررت بشكل كبير بفعل الزلزال.
ومع مرور ثلاث سنوات، دخل ملف الحوز مرحلة جديدة تتجاوز التدخل الاستعجالي وإعادة الإعمار الأولي، نحو تثبيت شروط التنمية وإعادة بناء الاقتصاد المحلي وتحسين الخدمات الأساسية. وفي يونيو 2026، تم الإعلان عن الشطر الثاني من برنامج إعادة الإعمار بعد الزلزال بتمويل قدره 500 مليون يورو، في إطار مواصلة دعم المشاريع المرتبطة بالمناطق المتضررة.
لكن نجاح المرحلة المقبلة سيظل مرتبطا أيضا بمدى القدرة على معالجة الملفات الفردية التي لم تجد حلا، لأن إعادة الإعمار لا تقاس فقط بعدد المساكن التي تم بناؤها أو حجم الأموال التي تم ضخها، وإنما كذلك بمدى وصول الدعم إلى المستحقين، وبقدرة الإدارة على التعامل مع الحالات الخاصة والمعقدة التي تتطلب دراسة دقيقة لكل ملف.
وبالنسبة إلى الأسر التي ما تزال تنتظر، فإن السؤال لم يعد مرتبطا فقط بموعد انتهاء ورش إعادة الإعمار على المستوى العام، وإنما بموعد انتهاء معاناتها هي، وبالآلية التي ستعتمد لحسم الملفات التي تعثرت بسبب مشاكل الإرث أو الملكية أو المساحة أو طبيعة البناء أو غيرها من الإشكالات.
وبعد ثلاث سنوات من زلزال الحوز، تبدو الصورة موزعة بين حصيلة رسمية تؤكد التقدم الكبير الذي تحقق في مجال إعادة الإعمار، وأصوات أسر ما تزال تطالب بتسوية وضعياتها والاستفادة من الدعم. وبين الطرفين، تبرز الحاجة إلى مواصلة العمل على الملفات العالقة، وتقديم توضيحات دقيقة للمتضررين، وضمان معالجة الحالات الفردية وفق معايير واضحة وقابلة للمراجعة.
فالزمن الذي يفصل المغرب عن ليلة الزلزال أصبح ثلاث سنوات، لكن بالنسبة إلى أسر لا تزال تنتظر إعادة بناء منزلها أو تسوية ملفها، فإن آثار تلك الليلة لم تصبح بعد جزء من الماضي. ومن هنا، فإن استكمال الإعمار لا يرتبط فقط بإعادة بناء الحجر، وإنما أيضا بإنهاء الملفات المفتوحة، والاستماع إلى مطالب المتضررين، وتوفير الأجوبة التي تمكن الأسر من طي صفحة واحدة من أصعب المراحل التي عاشتها مناطق الحوز.
وتبقى مسؤولية المرحلة المقبلة مرتبطة بضرورة الانتقال من معالجة الأرقام إلى معالجة الحالات، لأن كل ملف عالق يمثل في النهاية أسرة تنتظر استعادة جزء من حياتها التي توقفت ليلة الزلزال. فالمتضررون لا يطالبون فقط بإعادة بناء جدران منازلهم، وإنما بتسوية وضعياتهم وتمكينهم من العيش في ظروف تحفظ كرامتهم، بعيداً عن الانتظار الطويل وتعدد المساطر. ومن شأن فتح قنوات واضحة للتظلم وإعادة دراسة الملفات التي تعرف صعوبات، إلى جانب التواصل المباشر مع الأسر المعنية، أن يساهم في تخفيف حالة القلق التي لا تزال ترافق بعض المتضررين، ويعزز الثقة في مسار إعادة الإعمار الذي دخل عامه الرابع.
التعليقات مغلقة.